لا خوف على المغرب..
بقلم: يونس فنيش
أولا و قبل كل شيء، الرأي أن لابد من التذكير بحقيقة بديهية ألا و هي كون “التطبيع” جزائري بامتياز و بالأساس، فدولة الجزائر هي وحدها و بمفردها المسؤولة عنه لأن لولا الحقد و الحسد و الكراهية و البغضاء من طرف الجزائر تجاه المغرب، و رغبتها في اقتطاع نصف أراضيه من أجل استعمارها عبر مرتزقتها بئيسة الحظ تلك، و استمرار استفزازها و مضايقتها اللصيقة المرضية للمغرب على مدى 47 سنة، لما قامت حكومة العثماني بالتوقيع على اتفاقية ما يسمى ب”التطبيع” والباقي كلام فاضي.
وبكل صراحة و لا شيء يمنع الصراحة، لما زرت الدكتور و الكاتب المرموق و المحلل المطلع و الباحث المجتهد أحمد ويحمان في منزله، صحبة صديقي الأستاذ محمد حمضي -عقب إطلاق سراح الدكتور أحمد ويحمان من السجن-، فتبادلنا أطراف الحديث و أهداني بارك الله فيه كتابه المميز الذي يحذر فيه من خطورة الصهاينة، و هو كتاب يتضمن قراءات أو حقائق صادمة لدرجة أنني فضلت التريث قبل إبداء الرأي في شأنه، فوضعته بعناية في درج بعد قراءة سطحية إلى حين. و بعد مدة، عدت إلى الكتاب و استنتجت آنذاك أن وطنية الدكتور هي التي قامت بالبحث و حققت فنشرت في سبيل مشاركة المعرفة و تعميم الفائدة حسب ما يمليه الواجب الوطني على كل مثقف غير متاجر بثقافته و بعلمه.
بطبيعة الحال كان لابد من التأكد من المعطيات و الإفادات و إن كانت كثيرة، ولكنني لم أشأ أن استمر في البحث لأنني قدرت أو حسبت أن لدينا من المتخصصين في ذلك الموضوع ما يكفي، فالمثقفين بأنواعهم عندنا كالأطباء حيث ينقسمون إلى دكاترة في الطب العام الذين يكتفون بكشف الأعضاء التي لا تقوم بوظائفها على أحسن ما يرام، و أطباء متخصصين الذين يعالجون الأمور الدقيقة مستعينين بوسائل في حوزتهم…
فمن جهتي كمساهم متواضع في الحركة الفكرية و الثقافية و المجتمعية في وطني الجميل، كنت لا أخاف من أي اختراق للمغرب المسلم المعتدل القوي، لأنه بلد أصيل يقوم بتلقائية استثنائية بعملية تذويب في نسيجه المجتمعي كل من دخل دواليبه، كيفما كانت نيته، و يجعله تحت إمرة ثقافته و هويته المتعددة المتجذرة بسلاسة، أكاد أقول، خارقة.
و أما الجديد فهو مقال في جريدة “هوية بريس” عنوانه : “خطبة الجمعة بالمغرب، تغير كبير بين الأمس و اليوم”، حيث يفيد المقال -ما معناه- بأن المغاربة يتداولون خطبة جمعة لخطيب كان يتحدث عن قضية “إصلاح الوطن” دون أن يطاله لا عقاب و لا عزل و لا تهميش، و شأنه في ذلك شأن خطباء كثر في مدن عديدة.
و يؤكد مقال جريدة “هوية بريس” أن:
“بإجراء مقارنة بين واقع خطبة الجمعة في المغرب بين الأمس واليوم، نقف على البون الشاسع في هامش الحرية الذي كان يتمتع به خطباء الجمعة قبل ولاية التوفيق”.
و يستمر المقال في الإفصاح عن الرأي بوضوح :
“رغم محاكم التفتيش التي كانت تعقدها المنابر العلمانية، وحملات التحريض التي كانت تشنها خلال ولاية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري -رحمه الله- ضد الخطباء والعلماء والدعاة، إلا أن جهودهم كانت تصطدم بالحائط وتبوء بالفشل، لأن الوزير حينها كان رجل علم، يقدر أهل الشأن ويحفظ مكانتهم ويدافع عن حقوقهم الشرعية والوطنية والقانونية. وهذا ما لم يعد موجودا اليوم، للأسف الشديد، حيث لم يعد بإمكان الخطيب في ظل ولايات “التوفيق” المتعاقبة، البوح بعشر معشار ما كان ينكره الخطباء بكل حرية بالأمس القريب.”
طيب.
إذا قلت بأنني كنت لا أخاف من أي اختراق للمغرب المسلم لأنه بلد أصيل -أنظر أعلاه- فبالنظر إلى قوة منابر مساجدنا التي تبقى خير مؤطر و موجه للشعب المغربي الأبي السلمي المسالم العاقل الذكي الإستثنائي، ولكن و أن الجديد أن منبر إعلامي وطني معتبر يدق بدوره ناقوس الخطر، فهذا صراحة معطى جديد لابد من الالتفات إليه من لدن حكمائنا الشرفاء الأجلاء.
ولكن و لأن لابد من الموضوعية الضرورية في سبيل الوطن، ألم يكن الدكتور أحمد التوفيق وزيرا للأوقاف في ولاية كل من الأستاذ بنكيران و الدكتور العثماني، فلم لم يطرح المشكل آنذاك؟ و لما لا القول بأن لما كانت تلك الخطب ممكنة استغلها حزب المصباح صاحب المرجعية الإسلامية آنذاك للوصول إلى رئاسة الحكومة و مباشرة بعد تمكنه من مبتغاه انقلب و أدار سترته…؟ ألا يحق طرح كذا تساؤلات لاستنتاج أن المصيبة مصيبة عجيبة…؟
خلاصة: رغم كل شيء، و بكل صراحة، مازلت إلى حدود اليوم أجزم أن لا خوف على مجتمعنا لأن لديه من مقومات الأصالة الراسخة التي لن تقهر، إن شاء الله، و من الإيمان المتجذر في أعماق النفوس و في كنه و جوهر الأرواح المغربية المسلمة ما يجعله لن يزيغ عن الحق أبدا بفضل من الله عز و جل في علاه. ألم أقل لكم أن الشعب المغربي شعب سلمي مسالم أبي، وذكي؟
ومعذرة على الصراحة في إبداء الرأي، و المرجو سعة الصدر كما عهدته لدى الحكماء الأجلاء الشرفاء في بلدنا الحبيب، و كذلك لدى جريدة “هوية بريس” التي أشكرها مسبقا على نشر هذا المقال، كما أشكر كافة المنابر و الجرائد المعتبرة الموضوعية، و تحياتي للجميع.
