من وزير للذكاء الاصطناعي إلى حكومة للذكاء الاصطناعي: المغرب أمام فرصة تاريخية
بقلم: سعيد الياسمني (.)
يشكل إحداث منصب وزاري يعنى بالذكاء الاصطناعي، ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة بالمغرب، خطوة لافتة تعكس تنامي الوعي بأهمية التحولات التكنولوجية التي يشهدها العالم. وهي بادرة يمكن أن تفتح آفاقا جديدة أمام المملكة لتعزيز تنافسيتها الاقتصادية، وتطوير إدارتها العمومية، وتحسين جودة خدماتها، والاستثمار في رأسمالها البشري.
غير أن أهمية هذه الخطوة تطرح سؤالا جوهريا يتجاوز طبيعة التعيين الحكومي في حد ذاته: هل يكفي أن يكون لدينا وزير للذكاء الاصطناعي، أم أننا نحتاج إلى حكومة تجعل الذكاء الاصطناعي استراتيجية مشتركة لجميع القطاعات؟
إن وجهة نظري في هذا الموضوع واضحة: نحن لا نريد فقط وزيرا للذكاء الاصطناعي، بل نريد حكومة للذكاء الاصطناعي.
التوجيهات الملكية تضعنا أمام مسؤولية استراتيجية
في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، يوم 9 أكتوبر 2026، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ضرورة إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى لمواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، مشيرا إلى مجالات استراتيجية من بينها الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وقد جاء في الخطاب الملكي:” في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيو – اقتصادية، انخرطت بلادنا، برؤية واضحة، في دينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى.
واليوم، إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية، يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.”
إن هذه الإشارة الملكية تكتسي أهمية بالغة؛ لأنها تضع الذكاء الاصطناعي ضمن رهانات المغرب الاستراتيجية الكبرى، وتدعونا إلى التفكير في كيفية تحويل هذا التوجه إلى سياسات عمومية متكاملة، تتجاوز حدود قطاع حكومي واحد، وتمتد آثارها إلى مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد قطاع إضافي في هيكلة الحكومة، بل هو رافعة أفقية قادرة على إحداث تحول عميق في أداء القطاعات الحكومية كافة.
الذكاء الاصطناعي ليس مهمة وزير واحد
إن حصر الذكاء الاصطناعي في وزارة واحدة، مهما كانت أهمية الاختصاصات الموكولة إليها، قد يؤدي إلى التعامل معه باعتباره ملفا تقنيا أو إداريا منفصلا عن بقية السياسات العمومية، في حين أن طبيعته الحقيقية تفرض إدماجه في صميم التخطيط والتدبير واتخاذ القرار.
فهل يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي فعال دون إصلاح منظومة التعليم والتكوين؟ وهل يمكن بناء إدارة ذكية دون إعادة النظر في المساطر الإدارية وتبادل البيانات بين المؤسسات؟ وهل يمكن تطوير اقتصاد رقمي قوي دون دعم المقاولات، وتشجيع الابتكار، وتأهيل الكفاءات، وضمان الولوج العادل إلى التكنولوجيا؟
إن هذه الأسئلة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون مسؤولية وزير واحد، لأن نجاحه مرتبط بقرارات ومبادرات تتخذها جميع القطاعات الحكومية.
فوزارة التعليم مطالبة بإعداد الأجيال للتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وتطوير المناهج، وتأهيل المدرسين، وتعزيز التفكير النقدي والتعلم المستمر.
وقطاع الصحة مطالب باستثمار هذه التكنولوجيا في دعم التشخيص، وتحسين تدبير المؤسسات الصحية، وتطوير الخدمات، مع الحفاظ على سلامة المرضى وسرية بياناتهم.
أما وزارة الفلاحة، فيمكنها توظيف الذكاء الاصطناعي في ترشيد استعمال المياه، وتحسين الإنتاجية، والتنبؤ بالمخاطر المناخية. كما تستطيع القطاعات الصناعية والاقتصادية استثماره في رفع الإنتاجية، وتحسين الجودة، وتعزيز الابتكار وخلق فرص الشغل.
ولا تقل أهمية عن ذلك قطاعات العدل، والنقل، والطاقة، والسياحة، والثقافة، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، وتدبير الجماعات الترابية.
كل قطاع من هذه القطاعات يحتاج إلى رؤية خاصة لتوظيف الذكاء الاصطناعي، لكن هذه الرؤى يجب أن تنسجم جميعها ضمن استراتيجية وطنية موحدة.
من رقمنة المساطر إلى إعادة بناء الإدارة
لقد أبانت التجارب الإدارية عن أن الرقمنة لا تتحقق بمجرد إطلاق منصة إلكترونية أو تحويل وثيقة ورقية إلى ملف رقمي. فالتحول الحقيقي يقتضي إعادة تصميم المساطر، وتبسيط الإجراءات، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، وتطوير الخدمات انطلاقا من حاجيات المواطن.
ومن هنا، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يشكل فرصة لتجاوز الاختلالات التي قد تعيق تسريع الرقمنة في بعض القطاعات، بدل أن يصبح مشروعا جديدا يضاف إلى قائمة المشاريع التقنية دون أن يغير جوهر أساليب العمل.
إن الخطر الذي ينبغي تفاديه هو أن ننجح في إحداث وزارة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، بينما تستمر بعض الإدارات في مواجهة صعوبات التنسيق وتبادل المعلومات، أو تتأخر في تبني الحلول الرقمية، أو تفتقر إلى الكفاءات اللازمة لاستثمار الإمكانات المتاحة.
ولذلك، فإن نجاح المغرب في هذا المجال لا يقاس بعدد المنصات التي يطلقها، ولا بعدد التطبيقات التي يطورها، بل بمدى انعكاس التكنولوجيا على جودة الخدمات العمومية، وسرعة إنجاز المعاملات، وشفافية التدبير، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين حياة المواطنين.
ما الذي نحتاج إليه؟ حكومة تفكر بالذكاء الاصطناعي
إن الدعوة إلى حكومة للذكاء الاصطناعي لا تعني التقليل من أهمية الوزير المكلف بهذا المجال، بل تعني تحديد دوره ضمن تصور أوسع، يجعله قائدا للتنسيق والتكامل، لا الجهة الوحيدة المسؤولة عن تنفيذ التحول.
وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح مجموعة من التدابير العملية:
أولا: اعتماد استراتيجية حكومية مشتركة للذكاء الاصطناعي. تلزم كل وزارة بوضع خطة قطاعية واضحة، تحدد المشاريع ذات الأولوية، والنتائج المنتظرة، والموارد اللازمة، والجدول الزمني للتنفيذ.
ثانيا: إحداث آلية للتنسيق بين القطاعات الحكومية. تتولى ضمان الانسجام بين المشاريع، وتبادل الخبرات، وتفادي تكرار الاستثمارات، وتحديد المعايير المشتركة للأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية وقابلية الأنظمة للتكامل.
ثالثا: ربط المسؤولية بالنتائج. ينبغي ألا تظل الاستراتيجيات حبيسة الوثائق والتصريحات، بل يجب أن تخضع لمؤشرات قياس دورية، تسمح بتقييم التقدم المحرز، ورصد التأخر، وتصحيح الاختلالات.
رابعا: الاستثمار في الإنسان قبل التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي لا يحقق أثره الكامل دون موارد بشرية مؤهلة، قادرة على فهم أدواته واستعمالها وتقييم نتائجها. ويشمل ذلك الموظفين العموميين، والمدرسين، والباحثين، والمهنيين، والفاعلين الاقتصاديين، ومختلف فئات المجتمع.
خامسا: جعل الذكاء الاصطناعي أداة للعدالة المجالية والاجتماعية. فلا ينبغي أن تقتصر ثماره على المدن الكبرى أو المؤسسات الأكثر تقدما، بل يجب أن تمتد إلى المناطق القروية، والجماعات الترابية، والمقاولات الصغيرة، ومؤسسات تعليم الكبار ومحو الأمية، والفئات التي تحتاج إلى فرص جديدة للتعلم والاندماج.
سادسا: ضمان الاستخدام المسؤول والآمن. ويتطلب ذلك حماية المعطيات الشخصية، ومكافحة التمييز الخوارزمي، وتعزيز الشفافية، والإبقاء على الرقابة البشرية في القرارات الحساسة التي تمس حقوق المواطنين ومصالحهم.
الذكاء الاصطناعي والتعلم مدى الحياة: الاستثمار في الإنسان
بصفتي مهتما بتعليم الكبار والتعلم مدى الحياة، أرى أن نجاح أي استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي يظل مرتبطا بقدرة المجتمع على التعلم والتكيف مع التحولات الجديدة.
فالتحدي لا يتعلق فقط بتكوين خبراء ومهندسين متخصصين، بل يشمل أيضا تمكين الموظف من تطوير مهاراته، ومساعدة الباحث عن الشغل على اكتساب كفاءات جديدة، ودعم المقاول الصغير في تحسين مشروعه، وإتاحة فرص التعلم الرقمي للكبار، وتيسير استفادة سكان المناطق القروية من الخدمات الذكية.
إن حكومة الذكاء الاصطناعي التي نطمح إليها هي الحكومة التي تجعل التعلم المستمر جزءا من سياساتها، وتعتبر تأهيل المواطن شرطا أساسيا لإنجاح التحول الرقمي، حتى لا تتسع الفجوة بين من يمتلكون أدوات التكنولوجيا ومن لا تتاح لهم فرص الاستفادة منها.
فالذكاء الاصطناعي، في نهاية المطاف، ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتحسين حياة الإنسان وتوسيع فرصه في التعلم والعمل والإنتاج والمشاركة في التنمية.
من وزير واحد إلى مسؤولية حكومية جماعية
إن إحداث منصب وزاري للذكاء الاصطناعي قد يشكل فرصة تاريخية للمغرب، شريطة ألا يتحول هذا المنصب إلى عنوان منفصل عن بقية السياسات العمومية، أو إلى جهة تتحمل وحدها مسؤولية تحول لا يمكن أن يتحقق إلا بتضافر جهود جميع المؤسسات.
لقد أصبح من الضروري الانتقال من منطق الوزارة المكلفة بالذكاء الاصطناعي إلى منطق الحكومة التي تشتغل بالذكاء الاصطناعي، وتخطط به، وتطور خدماتها من خلاله، وتخضع نتائجه للتقييم والمساءلة.
فالمطلوب ليس أن تتولى وزارة واحدة التفكير في المستقبل الرقمي للمغرب، بينما تنتظر بقية القطاعات الحلول الجاهزة، بل أن تصبح كل وزارة مسؤولة عن تطوير حلولها الذكية، في إطار رؤية وطنية موحدة، وتحت قيادة حكومية تضمن التكامل والنجاعة.
إن التحدي الحقيقي أمام المغرب ليس مجرد امتلاك التكنولوجيا، وإنما القدرة على إدماجها في صميم مؤسساته وسياساته العمومية، وتحويلها إلى قوة دافعة للتنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية.
نرحب بوزير للذكاء الاصطناعي، لكن طموحنا أكبر؛ نريد حكومة للذكاء الاصطناعي، يكون فيها كل وزير مسؤولا عن توظيف هذه التكنولوجيا في قطاعه، وتكون فيها الرقمنة والتحول الذكي التزاما حكوميا جماعيا، لا مهمة موكلة إلى وزارة واحدة.
فالمستقبل لن تصنعه وزارة الذكاء الاصطناعي وحدها، بل ستصنعه حكومة بأكملها، إذا جعلت من الذكاء الاصطناعي استراتيجية مشتركة، ومن الإنسان محورا للتحول، ومن النتائج الملموسة معيارا للنجاح.
(.) مهتم بتعليم الكبار والتعلم مدى الحياة
