أختلف معك لكن لا أظلمك

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: نجية الشياظمي

ما أقسى أن يتهمك من تفتح له قلبك لتصارحه بأنك مزيف لمجرد أنك عجزت عن عمل شيء ما كنتما قد اتفقنا على القيام به، وحينما اكتشفت أنك عاجز أحببت أن تفتح قلبك و تبوح بالحقيقة، صدمت بأنك تتهم بالزيف ، كيف نحكم على الصدق بالزيف، مع العلم بأن ضد الصدق هو الكذب و الزيف ، فما أصعب أن يكون هذا الاتهام صادرا من أقرب الناس ،ممن يعرفك عين المعرفة … لا ربما نحن نتخيل ذلك ، نتخيل أنهم يعرفوننا لكنهم في الحقيقة لا يعرفونا على حقيقتنا كما نظن و ندعي ، يصعب أحيانا معرفة كنه الإنسان و خباياه، و مهما تعاملت معه بصدق و صراحة ووضوح ، يبقى في قلبه ذلك الجزء و تلك النسبة من الشك التي لا تزول، بسهولة .
كانت هذه كلماتها التي تمتمت بها حينما إنزوت بعيدا عنا تكفكف دموعها بعد أن أنهت مكالمتها، حصل هذا في مجموعة ونحن نتناول طعام الفطور خلال تلك الرحلة الجماعية التي كنا نقوم بها إلى إحدى المناطق الجبلية الجميلة، كان يبدو عليها الحزن الشديد، يبدو أن أحدهم قد كسر قلبها ، و من يتعفف عن فعل ذلك ، و خصوصا في أيامنا هاته، فما أسهل كسر القلوب و النفوس وخصوصا تلك الرقيقة المرهفة. حاولت أن أفهم منها الموضوع لكنها كانت مصممة ألا تحكي، لقد كانت محقة تماما ألا تبوح وخصوصا بعد أن أساء فهمها أقرب الناس ،فكيف يفهمها البعيد و الغريب.
محقة هي في كتمان سرها و أمرها، عذرتها و تفهمت موقفها ، و لم أشأ أن أضغط عليه لأعرف المزيد ،فلا داعي لأن أوجعها أكثر يكفي ما هي فيه و ما تحسه و تقاسيه، أحيانا نكون ظلمة دون أن نعي ذلك ، كيف أتهم بالزيف ضعيف القدرة و القوة و الحيلة على خوض موقف أو مواقف جديدة لم يتعود عليها، كيف أوصمه بهذه الوصمة الفظيعة ، ربما هي ردة فعل غير تلقائية و غير متعمدة ،نعم قد يكون الأمر كذلك في الوهلة و المرة الأولى لكن تكرار الأمر يبدو مما لا شك فيه أنه نابع حقا عن قناعة راسخة ، و هنا تتضح خطورة الأمر.
لا بأس لنكن محايدين حتى لا نظلم أي طرف ، يبدو لي الأمر كتلك الصورة التي يقف كل منهما على جانبها و طرفها و كل منهما متشبث بوجهة نظره ب

ما يراه من زاويته هو و هو فقط ، فلا أحد يستطيع أن يرى نفس الصورة بشكلين مختلفين إلا إذا قام بتغيير مكان رؤيته و تغيير الزاوية التي ينظر منها، حاولت أن أتخيل ذلك و لم أجد مثالا اجمل و أكثر إقناعا من رقم 6و9 ، فلا أحد يمكنه رؤية نفس الرقم حينما يغير زاوية رؤيته ب 180درجة ،لا يمكن حصول ذلك أبدا ، فكيف تغير ذلك الرقم و لا تتغير لدينا باقي القناعات و الأفكار الخاطئة
كيف نتعصب و نتصلب لمواقفنا الشخصية و نرفض أي مرونة تمكننا من تقريب وجهات النظر المختلفة ، على الأقل لتفادي تلك الهوة السحيقة التي تفرق بين الرؤيتين و الموقفين و بالتالي بين الشخصيتين، كيف لا نجرأ على فعل هذا ، و نفضل الإستمرار في الخلاف ، فالإختلاف أمر طبيعي و هو حكمة الخالق في خلقه، هو اختباره و امتحانه لهم بدليل قوله تعالى:
: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:118-119]

اترك رد