أبو يعرب المرزوقي: أو حينما يتحدث المتفلسف في غير فنه

بقلم: نور الدين حاتمي

تعرف القارئ العربي على أبي يعرب المرزوقي ككاتب عربي يهتم بالفلسفة ويكتب عنها، منذ عقود، ولكنه رغم انكبابه عليها ، أي على الفلسفة، واشتغاله بها و على موضوعها، فإن أسلوبه لا يشد إليه القارئ ولا يجذبه إليه، شأنه في ذلك، شأن عدد من الكتاب و”المفكرين”. وليس مرد ذلك ـ فيما أعتقد ـ إلى تقعر في تعبير أو عمق في طرح، وإنما إلى العجز عن الاحاطة بالموضوع و التمكن من مادته.
و هذه الظاهرة ـ في تقديري ـ تنسحب على جملة من الكتاب الذين يوصفون عادة ب “الحداثيين” و”التنويريين” فهم في الجملة كذلك ، لا تكاد تفهم عن الواحد منهم إلا “قليلا”، وقد أشار عبد العزيز حمودة في كتابه “المرايا المحدبة” إلى هذا الغموض الذي يلف إنتاجاتهم، وقال أنه كان يتهم عقله بالقصور وعدم القدرة على استيعاب فلسفاتهم و نظرياتهم وتعقل أغراضهم، أو كما قال، ونبه إلى أنهم كانوا يميلون إلى ذلك الغموض في محاولة منهم ستر عيوبهم وتغطية جهالاتهم، وإلا فإنهم لا يأتون بجديد فيه إبداع، بل لا يأتون بشيء.
إن هذا الالتباس راجع بالأساس، إلى تواضعهم العلمي وضحالتهم المعرفية فيما يتعلق بموضوع اشتغالهم وبحثهم، وليس إلى سبب آخر.
وأبو يعرب المرزوقي نموذج لهؤلاء الكتاب”المتفلسفة” الذين لم يأخذوا من الفلسفة حكمتها فيتواضعوا تواضع من اثقلتهم المعرفة ، و إنما أورثهم الجهل بها وبجوهرها، الجرأة على القول في كل شيء، دون معرفة أي شيء.
لقد كتب هذا “المفكر” دراسة حملت عنوان “محاولة في فهم مآزق أصول الفقه بعد بلوغ تأسيسه الأول الغاية” شارك بها إلى جانب الراحل الشيخ محمد سعيد البوطي وصدرت عن دار الفكر العربي، تحت عنوان “إشكالية تجديد علم أصول الفقه” نهاية القرن الماضي.
وقد كانت هذه الإشكالية: “إشكالية تجديد علم أصول الفقه” مثار نقاش وجدال كبيرين في التسعينات من القرن الماضي، وذلك بعد دعوة حسن الترابي في كتابه “تجديد الفكر الإسلامي” إلى ضرورة تجديده ،بسبب ما ادعاه من عدم قدرته على الاستجابة للتحديات التي ما برحت الساحة الإسلامية تطرحها، وقد كان يتطلع إلى إنتاج “علم أصول فقه” جديد ومعاصر يسمح له باجتراح حلول لإشكالات مستجدة تتعلق بالسياسة و ملحقاتها بالأساس، لأن علم أصول الفقه كما وضعه الأوائل لا يسعف ذلك ولا يسمح، لأنه إنما وضعه هؤلاء العلماء في أفقهم ووحسب احتياجاتهم وظروفهم. وقد تبدلت تلك الظروف وتغيرت تلك الاحتياجات، ولم يعد في جعبته ما يقدم.
وعليه، يحتاج المسلمون اليوم إلى أن يضخوا فيه دماء جديدة ويمنحونه قدرا من المرونة، حتى يتمكنوا من النهوض للتصدي للآفات التي لم تكن فيما مضى.
وقد ظل حسن الترابي نفسه عاجزا عن بيان أوجه هذا القصور التي يعاني منه هذا العلم، وظل كلامه مفتقرا إلى الحجة والدليل، والامثلة التي ساقها لم تسعفه كثيرا في توضيح موقفه وتبرير دعواه، لأن المشكل ـ حقيقة ـ ليس في هذا العلم، وإنما فيمن يتعاطاه ويتفاعل معه، وعدته منه قليلة وبضاعته مزجاة، ولم ينل منه إلا القشور.
وإذا كان حسن الترابي قد أوضح موقفه وقاربه، بشكل يسمح بالاتفاق معه او الاختلاف، فإن هذا “المتفلسف” الذي يعتبره البعض آخر من بقي من الفلاسفة العرب ظل عاجزا تماما عن تناول الموضوع بالشرح والبيان.
لقد كان هذا “المفكر” واعيا تماما الوعي، أنه لا يفهم جوهر الإشكالية ولا يستوعبها ولذلك لم يقصدها رأسا، ولم يبن مبحثه بحيث يتمكن القارئ من فهم مراده. واللغة التي صاغ بها دراسته تكشف هذا الأمر حتى وإن أرادها حاجبة لعدم إحاطته بالموضوع وقدرته على استيفائه. فماذا سيستفيد القارئ من مبحث طويل يتجاوزمائة وأربعين صفحة من فقرة كهذه:
” إن المنهج المؤثر هو التلازم بين تأويل معطيات الانطلاق وتحليل علاقات ما فصلت إليه من عناصر لفهم محددات الوضعية محدداتها التي تكون مادة للعلاج الفلسفي لذلك كان كل المنطلقين مضاعفا. و بذلك يكون العلاج التاريخي تأويلا لما حدث في ماضي التاريخ مشروطا بتحليل عناصر الحدث لتحديد معادلة الوضعية التي نريد علاجها بالمنطلق الثاني، ويكون العلاج المنطقي تحليلا لما يحدث في حاضر التاريخ مشروطا بتأويل معطياته لتحديد اتجاهاته في المستقبل فيتلازم تحليل الحدث وتأويل معناه في كلا العلاجين …” ومن مثلها؟ و البحث كله على هذه الشاكلة و على هذا النحو.
أكيد أنه لن يظفر منه بأية فائدة يرجوها، و أكيد أيضا،أنه لن يعرف من مبحثه ذاك لا أصل الإشكال و لا فرعه، و لا جرثومة الداء و لا وصفة الدواء.
يقول أن كون الفقه على هامش المسلمين دليل على أزمة علم أصوله. و لا أحد يسلم له بذلك، لأن وقوع هذا العلم على الهامش دليل على انحراف المسلمين و على ابتعادهم عن تعاليم دينهم، وعلى انسياقهم وراء أهوائهم و رغباتهم، و الشريعة إنما جاءت من أجل تحريرهم من دواعي أهوائهم، كما يقول الأصوليون أنفسهم.
و يقول أن المسلمين ظلوا يجترون الحديث عن الاخلاق بفهم ساذج و سطحي ل”نظرية التوسط بين التطرفين” في حين أن أخلاقهم في الحضيض و “اسفل سافلين” و من قال ان المسلمين ساءت اخلاقهم بسبب تعلقهم بهذه النظرية التي تظل سليمة من الناحية المنطقية لأن الفضيلة هي كذلك بالفعل؟ فالناس في جملتهم لا يعيشون حياتهم كما هو وعيهم، أي بنوع من التطابق. و الحداثة التي يدين بها هو قائمة على هذا الأساس: اساس الفصل بين الوعي و السلوك.
و يقول أن ” أن المسلمين يفهمون السياسة “مجرد كلام في نظرية المدينة الفاضلة و نظرية الاستبداد الغفل” يقول ذلك، و كأن الانظمة القائمة تؤسس استبداها على ما يكتبه هؤلاء الباحثون، و أنه متى تغيرت نظرة المسلمين للسياسة تغير تعاطيهم معها، و الواقع ينطق بأن الممارسة السياسية في البلاد الإسلامية لا علاقة لها بما يسطره مفكروها. السياسة هي التي تملي على هؤلاء ما يكتبون و ليس العكس. ثم ما هي علاقة هذه الآفات بتجديد علم أصول الفقه؟ أين يكمن الخلل؟ أفي علم تم تهميشه و إقصاؤه، و تعاطاه من لا تأثير لهم و لا يحسنون الاستفادةمنه؟ أم في واقع انفصل بالكلية عن هذا العلم و قطع معه كل ؟ من المطالب بالخضوع لمن؟ هذا العلم أم الواقع الذي يعيش فيه أهله مغتربين و مستلبين؟
أما حين عرج على ابن تيمية و ابن خلدون ملتمسا منهما السند لدعوى لا يستطيع حتى شرحها و بسطها، فضلا عن المرافعة من أجلها، و قد احتاج إليهما لأنهماعالمان مسلمان أحدثا ثورة تجديدية في هذا المجال كما زعم،فقد قولهما ما لم يقولا و نسب إليهما ثورة لم يفكرا فيها أصلا و لا تخطر على بال أي منهما. و جاء بابن تيمية غير الذي نعرف في “الفتاوى” و بابن خلدون آخر، لا علاقة له بابن خلدون “المقدمة” و لم يشر إلى المصادر التي استقى منها مزاعمه مما يقطع بأنه لم يقرأ لهما و لم يفهم عنهما.
و المصيبة أنه اعتبر “نظرية المقاصد غير مشروعة لا عقلا و لا نقلا و هي ضارة عقلا و نقلا” ليكون بهذا النفي غير المؤسس و غير المعقول قد جعل مشروع “تجديد علم أصول الفقه” المفترض برمته غير ذي معنى.و ليس المقام هنا مقام بيان بطلان زعمه و بيان تهافته. إن هذا الموقف سيجعل الاجتهاد نفسه في مأزق إن لم يكن لا معنى له.، و لاحاجة إليه.
لقد كان الكاتب واعيا أن دراسته تلك لا وجهة لها ولا غاية، و مفتقدة للبوصلة، و كان متأكدا انه لا يعرف حتى ماهية الإشكال الذي يتعرض له بالبحث و التحليل، و لذلك، نصح القارئ الذي “لا يجد متعة البحث و أناة التحليل” “بالعزوف عن قراءة” دراسته…” و دعاه إلى اعتبارها” محاولة تنتسب إلى التجريدات الفكرية التي تشبه الكلمات المتقاطعة” مبررا ذلك “بتعقيد الاستدلال على فرضية العلاج الجريئة” يقصد فرضيته هذه.
و لكن هل صحيح ان دراسته تلك قائمة على استدلال معقد؟ و هل هذا الاسلوب من الاستدلال هو الذي جعل الدراسة غير ذات معنى؟إن هذا المبرر مجرد لغو، و مجرد كلام فارغ.
فلم يكن الاشتغال بالفلسفة يوما سببا في الغموض و الالتباس و الفيلسوف العربي “الحقيقي” و الوحيد ـ كما كان يعتبر نفسه و نعتبره نحن ـ في الوطن العربي: عبد الرحمان بدوي يكذب هذه الدعوى إذ بقدر ما كانت إنتاجاته عميقة ورصينة بقدر ما كانت في غاية من الوضوح و البيان، و ما تأتى له ذلك إلا من جهة تمكنه من الفلسفة و تملكه لها.
لقد كتب الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي نفسه في معرض تعقيبه عليه أنه لم يستطع أن يفهم الكثير مما اراده ، و أن طريقته هذه إذا كانت هي الطريقة الفلسفية الفضلى فإن الفلاسفة الذين قرأ لهم كفلاسفة لم يكونوا كذلك و أن الفلسفة التي اطلع عليها لم تسفر إلا عن “بضاعة مزجاة” أو كما قال.
و احسب ان موقف البوطي هذا هو موقف كل قارئ حصيف يعي ما يقرأ.
ليبقى السؤال هنا هو: ما الذي يجعل هؤلاء الكتاب الذين يكتبون اكثر مما يقرأون مفكرين كبارا و فلاسفة؟

تعليقات (0)
اضافة تعليق