إبستيمولوجيا النَّص والشهادة الأدبيّة في زمن الانكسار: قراءة تفكيكية في كتاب “أصداء الطوفان”

بقلم: الناقد الدكتور عماد الشلبي
​عتبة البدء: الموقف المعرفي وميثاق التلقي
​يضعنا كتاب “أصداء الطوفان: صوت غزة في زمن الانكسار” للباحث والأديب عبد الحي كريط (الصادر عن مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث، 2025) أمام استحقاق نقدي استثنائي. فالنص هنا لا يكتفي برصد الفاجعة أو توثيق الكارثة الإنسانية بروح إخبارية باردة، بل يجترح مغامرة جمالية ومعرفية معقدة تبحث عن “أنطولوجيا” جديدة للكتابة من تحت الركام.
​إن هذه القراءة النقديّة لا تتعامل مع المادة الفنية بوصفها انفعالاً عابراً، بل تسعى عبر أدوات النقد البنيوي والتفكيكي والثقافي إلى سبر أغوار النص، وتفكيك بنية خطابه عبر محاور رئيسية تمس جوهر الإبداع وعمق الشهادة الأدبية.
​1. هندسة الحبكة والاتساق البنيوي
​توزيع الثقل الدرامي:
يمتاز كتاب كريط بذكاء حاد في هندسة معمارية النص؛ إذ لم يأتِ البناء الفني مسطحاً أو متوقعاً، بل وُزع الثقل الدرامي فيه توزيعاً هندسياً دقيقاً عبر ثلاثة فصول كبرى (الحوارات، المقالات، القصائد والنصوص). ينطلق الكتاب من ثقل حواري حي ومباشر في الفصل الأول (مثل الحوار مع الكاتب الساخر أكرم غازي الصوراني والروائية نسرين موسى)، ليمثل هذا الفصل القاع الدرامي المشحون بالوجع الإنساني والتفاصيل الميكرو-سردية الصادمة. ثم ينتقل الثقل تدريجياً في الفصل الثاني نحو المعالجة الفكرية والمقالية الفلسفية التي تؤصل للحدث تاريخياً وسياسياً وتفكك مواقف المثقفين. حتى إذا ما وصل القارئ إلى الفصل الثالث، يرتفع الثقل إلى مصاف التجريد الوجداني والشعري، ليحدث التوازن والاتساق البنيوي بين صدمة الواقع، وعقلانية النقد، وطاقة الحلم الشاعري.
​المنطق السببي:
تتحرك البنية السببية في فصول الكتاب وفق نظام “التداعي العضوي”؛ فالحرب كحدث صاعق وعنيف هي “السبب الأول” والشرارة الانفجارية التي ولدت كل ما تلاها من تشظٍ نفسي واجتماعي. يربط كريط ببراعة بين الأسباب ونتائجها؛ حيث يظهر الجوع، والنزوح، وتحول خيام الإيواء إلى مسرح دائم للبؤس في الدواخل الإنسانية، كأثر مباشر ومسبّب موضوعي لنهش الهوية واشتياق الذوات لماضيها القديم المستقر قبل ليل الطوفان.
​2. أبعاد الشخصيات ونموها الدرامي
​الأبعاد الثلاثة (الجسماني، الاجتماعي، النفسي):
يتجلى التناول الأكاديمي الرصين للشخصيات والشهود في النص عبر إبراز أبعادهم الوجودية الثلاثة:
​البُعد الجسماني: يظهر صراحة من خلال رصد علامات الإنهاك والتعب، والشيخوخة المبكرة التي زحفت على الوجوه، والجسد الـمُنهك من البرد والجوع وذباب الشتاء (كما ورد في شهادة الصوراني في دير البلح، ص 16).
​البُعد الاجتماعي: يتجلى في تفكيك علاقات القهر الطبقي، والتحولات السوسيولوجية الحادة للناس الذين تحولوا من فاعلين اجتماعيين وأصحاب بيوت إلى نازحين يبحثون عن مقومات البقاء العارية، إلى جانب النقد الاجتماعي الشجاع للمجتمع الذكوري وعنفه ضد المرأة في أوقات الأزمات كما في المراجعة النقدية لرواية نسرين موسى (ص 76).
​البُعد النفسي: وهو البعد الأكثر عمقاً؛ حيث يعري النص مشاعر الخذلان، والرعب المستدام، والانتظار الخانق تحت القصف، وفقدان الذاكرة الطوعي كآلية دفاعية للهروب من فظاعة الواقع.
​النمو والتغير (الشخصيات النامية والمسطحة):
لا يقدم كريط شخوصه في قالب جامد أو ثابت (مسطح)، بل هي شخصيات “نامية ومتطورة” بفعل الصدمة. إن الإنسان في “أصداء الطوفان” يمر بتحولات سيكولوجية دراماتيكية؛ فالكاتب أو الشاهد الذي يبدأ الحوار محاولاً التماسك والتعبير بوعي وثبات، ينتهي به المطاف إلى الانفجار الساخر أو الصمت الوجودي العاجز، مما يعكس الأثر البالغ للحدث الكارثي الذي يعيد صياغة الوعي والمواقف دقيقة بعد دقيقة.
​تعدد الأصوات (البوليفونية):
يتجاوز الكتاب ببراعة نسق “الصوت الواحد المستبد” (المونولوجيا) ليتيح الفضاء لتعددية أصوات حقيقية (Polyphony). نحن لا نستمع فقط لصوت عبد الحي كريط الناقد أو الشاعر، بل ننصت لصوت الساخر، وصوت المرأة المقهورة، وصوت اللاجئ، وصوت الشاهد التاريخي. هذا التعدد يمنح النص مصداقية وثراءً دلالياً، ويجعل من الكتاب أوركسترا إنسانية تعزف لحن الألم الجماعي.
​3. إدارة الإيقاع والزمن
​التسريع والتبطيء (المشهد والتلخيص):
تتحكم في مفاصل الكتاب لعبة زمنية حاذقة؛ إذ يعمد الكاتب إلى “التبطيء أو المشهدية المجهرية” عندما يتعلق الأمر بنقل تفاصيل المعاناة الإنسانية الفردية داخل الخيام، فيقترب بالعدسة الأسلوبية ليرصد حركة الذباب، والبرد، وانكماش الأجساد، مما يجعل القارئ يعيش وطأة الزمن الثقيل والخانق. وفي المقابل، يستعمل “التسريع والتلخيص الاسترجاعي” عند الانتقال للمقالات الفكرية والتاريخية (كالحديث عن نشأة الأونروا ودورها منذ ستينيات القرن الماضي، ص 85)، بهدف تقديم وجبة معرفية مكثفة للمتلقي دون إخلال بالتدفق الفني.
​المفاجآت والتشويق (خطافات الفصول):
اعتمد كريط على تقنية “الخطافات السردية والفكرية” (Hooks) في نهايات الفصول والمقالات لضمان استمرار الشغف المعرفي. فكل فصل ينتهي بأسئلة سقراطية معلقة أو بمفارقة ساخرة صادمة تفتح الباب للفصل الذي يليه، مما يحول فعل القراءة من التلقي السلبي إلى رحلة استكشاف وبحث دائم عن مصير “المعنى” وسط ركام الخراب.
​4. الفضاء الروائي (الزمان والمكان)
​تأثيث المشهد وبناء العالم:
المكان في كتاب “أصداء الطوفان” ليس مجرد خلفية جغرافية محايدة، بل هو كائن حي يشغل مساحة أساسية في الوعي والنص. ينجح الكاتب في “تأثيث المشهد” بدقة متناهية؛ فالخيمة في دير البلح، والرماد، والركام، والحدود الضيقة، وأصوات الطائرات المسيرة في السماء، كلها مفردات مكانية تؤثث فضاءً خانقاً ورمادياً يعكس طبيعة “العالم المأزوم” الذي يرزح تحت وطأة الإبادة والمحو.
​تفاعل المكان مع الحالة النفسية والموضوع:
يتحرك المكان ويتفاعل طردياً مع الحالة النفسية للشخصيات؛ فالأمكنة الضيقة والخيام تصبح امتداداً للروح الممزقة والمشظاة التي تحن وتلتاع شوقاً لأماكنها القديمة وبيوتها الدافئة الأولى قبل الحرب. كما يتسع الفضاء الجغرافي ويتسامى رمزياً في مقالة “ابن بطوطة” (ص 247) ليربط طنجة بغزة، محولاً الجغرافيا من حدودها السياسية الضيقة إلى فضاء قيمي، حضاري، ووجداني مشترك يتجاوز المسافات ليوحد الوجع الإنساني.
​5. الثيمة الفلسفية والعمق الدلالي
​المعنى الكامن والقضية الكبرى:
الثيمة الجوهرية والكبرى التي تدور في فلكها نصوص الكتاب هي “سقوط السردية الأخلاقية للحداثة الغربية وفضح تواطؤ الضمير العالمي”. يطرح كريط قضية وجودية كبرى: كيف ينهار المعنى والقيم الحضارية تحت أقدام الطفولة المستباحة؟ إن غزة في فكر الكاتب ليست مجرد بقعة أرض مكلومة، بل هي “مرآة أخلاقية عارية” تكشف زيف الشعارات الأممية وبؤس التوازن المصطنع في سرديات الجلاد والضحية.
​الرموز المتواترة:
يزخر المتن الروائي والنقدي برمزية متواترة ومكثفة تصنع نسيجاً دلالياً عميقاً؛ ومن أبرزها:
​”الركام والتراب”: رمزاً للمحو المادي ومحاولة دفن الحقيقة.
​”الحبر والدم”: رمزية لجدلية التوثيق والمواجهة وتثبيت الذاكرة.
​”الخيمة”: الرمز السوسيولوجي والسياسي الدائم للاقتلاع واللجوء المتجدد.
​”ابن بطوطة”: رمزاً للشاهد الحضاري والتاريخي والرحلة المأساوية في غياهب العالم العربي الممزق.
​6. السرد والأسلوب واللغة
​ثبات النبرة واللياقة الأسلوبية:
يحسب لـ عبد الحي كريط الحفاظ على “لياقة أسلوبية” رفيعة وثبات ملحوظ في النبرة؛ فبالرغم من فظاعة الأحداث وقسوتها، لم ينزلق الخطاب إلى المباشرة الوعظية الفجة أو الصراخ اللغوي البسيط، بل ظل متمسكاً بنبرة تجمع بين متانة النثر الفلسفي وجزالة العبارة الأدبية وفخامتها، مما يعكس وعياً أسلوبياً ناجضاً يدرك أن فظاعة الجريمة تتطلب فخامة في الأداة التعبيرية لتليق بعظم الشهادة.
​المسافة السردية واختيار الضمير:
تنقل الكاتب بمرونة فائقة في استخدام الضمائر وفقاً لـ”المسافة السردية” المطلوبة؛ فاستعمل ضمير المتكلم (أنا) في الحوارات والمقدمة لتقليص المسافة وإضفاء لمسة حميمية وشهادة حية مباشرة من قلب الحدث. ثم انتقل إلى ضمير الغائب (هو/هم) في المقالات النقدية والتحليلات السياسية لفرض مسافة موضوعية تتيح له تشريح مواقف المثقفين الانتهازيين (ص 237) وتحليل البنى الأيديولوجية للمؤسسات الدولية. ليعود أخيراً في نصوصه الختامية مستخدماً ضمير المخاطب (أنتِ) متوجهاً لغزة بصيغة الترتيل والعهد: “إنني أكتبك الآن… عهدًا أن دمك لن يُمحى”.
​خلاصة النقد
​إن كتاب “أصداء الطوفان” للباحث الأديب عبد الحي كريط يمثل علامة فارقة في المكتبة العربية المعاصرة؛ إذ نجح الكاتب—بمعماره الفني المتسق، وتعدد أصوات شخوصه، وإدارته الواعية للزمن والفضاء، وتوظيفه الرفيع للتناص والرمزية الفلسفية—في صياغة بيان أدبي وأخلاقي مدوٍ يرفض النسيان وينتصر للإنسان. لقد تمكن قلم كريط، بفخامته وجزالته، من تفكيك خطابات الزيف الثقافي، محققاً الغاية الأسمى للأدب الحي: أن يمنع المعنى من الانتحار وسط هاوية الخراب.
​تحية وفاء وإجلال موصولة
​خِتاماً، ومن مَقام القِراءة الأكاديمية الفاحِصة والنَّقد الملتزم بجوهر القضايا الكبرى للأمّة والإنسان، أتوجّه أولاً بـ تحية شكر جليلة وتقديرٍ ووفاء موصولة لـ “منارة عز الدين أبو سيرين الثقافية”، التي اضطلعت بدورٍ حضاري وتنويري رائد، وكانت الجسر الفكري النبيل والوسيط المعرفي الراقي الذي ربط بيننا وبين الكاتب وعمله الإبداعي.
​كما نثني بـ تحيّة إجلالٍ وإكبارٍ عميقة لكاتب هذا العمل وباحثه الأديب الأستاذ عبد الحي كريط؛ على هذا الصنيع الإبداعي الرفيع، وهذا الحبر الشريف الشجاع الذي غمس ريشته في وجع الضحايا وثبّت الهوية من خيوط الضياع، مصدراً صوتاً لغزة يليق بعظم ملحمتها وخلود تضحياتها. لفضيلته ولقلمه دوام الألق والرفعة والتميّز.

​الكاتب والناقد: د. عماد الشلبي
​بلد وبؤرة التوثيق: الجمهورية اليمنية — تعز
​التاريخ: 16 مايو 2026م
​#د_عماد_الشلبي #اليمن_تعز #أصداء_الطوفان #منارة_عزالدين_أبوسيرين_الثقافية #عبدالحي_كريط #نقد_أدبي #أدب_المقاومة #ثقافة_2026

تعليقات (0)
اضافة تعليق