بقلم: كريم زكطة (*)
أولى الفلاسفة المحدثون أهمية قصوى للحرية كمفهوم وكتجربة معاشة، كما أنهم لم يغفلوا عن تناقضاتها و الصعوبات التي تثيرها ممارستها داخل الإطار السياسي المقيد بالقوانين والإكراهات. ومن بين هؤلاء المفكرين نجد جان جاك روسو، أحد أعمدة الفكر الأنواري، والحداثي، والإنساني. ينطلق روسو في هذا المقام من تجربة الحالة الطبيعية،فالإنسان بحسبه، يولد خيرا ويوجد مكبلا في كل مكان. ومن هنا نجد أنه إذا كان فلاسفة الأنوار والحداثة يبشرون بالتقدم الإنساني، وبانتصار قيم العقل و الفردانية و الحرية، فان روسو يدعو، في المقابل إلى ضرورة عودة الإنسان إلى حالة الطبيعة قصد تأسيس فلسفة سياسة واعية بمقتضيات الحق الطبيعي . فكيف نظر روسو لهذا المسعى؟
يعتبر روسو أن التقدم المادي والعلمي للإنسانية طيلة تاريخها الطويل، لم يحقق للإنسان سعادته، بل جعل حياته عذاب وشقاء ، فقد عاش الإنسان سعيدا عندما كان يجتمع في جماعات صغيرة مستقلة ، تسودها روح الأسرة، وكانت حياة الإنسان البسيطة خالية من الجشع والخوف والكراهية، بمعنى أن سعادة الإنسان وحريته، في حياته المتمدنة هذه، تتعارض مع حياة الطبيعة الخيرة . وهذا لا يعني أن روسو يدعو إلى وجوب إلغاء الحضارة الإنسانية و العودة إلى بدائية همجية، بل إن ما يثير روسو هو حالة اللامساواة التي تطغى في حالة التمدن، و بالتالي ينبغي على كل نظرية سياسية جادة أن تمتلك وعيا بميكانيزمات التنظيم السياسي الناجمة عن تأسيس المجتمع المتمدن وذلك لفهم أفضل للحالتين معا. وهنا يؤكد روسو أن القانون الطبيعي لا يفرض وجوده على الإنسان، لأن هذا الأخير كائن عاقل وحر فطريا أي بطبعه. ومن هنا يتصور روسو الإنسان باعتباره أفضل الحيوانات تنظيما، “إذ نراه يأكل حتى الشبع، ويشرب حتى يرتوي” متوسلا في سبيل ذلك مناهج متناسقة، وسبل فائقة الذكاء. وفي هذا السياق، يشدد روسو، بالرغم من ذلك، على أسبقية الغريزة و الرأفة على مبدأ العقل. كما تحتم غريزة البقاء على الإنسان أن يهتم برفاهيته، ورغد عيشه ، في حين تدفعه الرأفة إلى النظر بعين الشفقة إلى بني جنسه. ويركز روسو على مسألة أن الإنسان ليس شريرا بطبعه، فالناس، في حالة الطبيعة، ليسوا صالحين ولا طالحين إذ لا تجمع بينهم أية علاقة أخلاقية. أو واجبات مشتركة، ليختلف في هذه النقطة مع الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز الذي يرى أن الإنسان البدائي شرير بطبعه و يغتنم أقرب فرصة لينقلب ذئبا لأخيه الإنسان.
بالإضافة إلى ما سبق يعتبر روسو أن التباين و التمايز بين البشر كان معدوما في حالة الطبيعة، لأن حالة
اللا مساواة تبرز بقوة و حدة في حالة التمدن. كما دافع أيضا على فكرة أن من طبيعة الإنسان سلوك سبل التقدم،
فربط القدرة بالحرية البشرية واعتبر أن قدرة الإنسان البشري، تكاد تكون غير محدودة ، وهو الشرط الذي لا غنى عنه لتطور البشرية.
إن بساطة الإنسان الأول حسب تعبير روسو جعلته أكثر حرية يقول “لقد عاش البشر أحرار، وصالحين ، وسعداء طالما قنعوا بكوفهم البسيط واكتفوا بلبس الجلود كبابا”.
يشير روسو أنه عندما أدرك الفرد الواعي فوائد التعاون على جمع المؤن، بدأت تختفي المساواة، وظهرت الملكية، وغدا العمل ضروريا وتحولت الغابات الشاسعة إلى حقول، فكان على الإنسان أن يرويها بعرقه، وسرعان مع نبتت فيها العبودية والشقاء، كما يبرز روسو أن : أول من سيج أرض وقال هذا ملك لي، ووجد أناسا سذجا بما فيه الكفاية، ليصدقوا قوله، فإنه هو المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني، كما أن الملكية لم تتكون دفعة واحدة في الحقل البشري، فلقد احتاج الإنسان إلى كثير من التقدم وإلى اكتساب بعض من المهارات العملية والمعارف … حتى يصل إلى هذه النهاية الأخيرة للحالة الطبيعية، وبالتالي فأن نجاح البحت في الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي، و غدت الأرض كلها في نهاية المطاف حكرا عليهم في حين أن الذين لم يمتلكوا ولو شيئا من الأرض، كان مصيرهم الفقر والعوز مما أدى بهم، إلى أن يتلقوا كل ما يحتاجونه من الأغنياء فكانت ولادة العلاقات التي لا تزال قائمة إلى الآن بين البشر، من جهة السيطرة والاستعباد، ومن جهة أخرى العنف، فطالب الفقراء حق التملك من حق الملكية، التي هي حق الأقوى، فأصبحت حرية الإنسان وسلامته في خطر، وأصبح المجتمع على حد تعبير روسو، مسرحا لحرب ضارية ، بل أصبحت حتى ملكية الأرض غير مضمونة بما فيه الكافية، وكان لابد من تدبر وسائل جديدة لحمايتها ، ولجوء الأغنياء وهم أول المتضررين من هذه الحرب إلى الحيلة للإيقاع بالفقراء.
ولقد ابتكر الأغنياء خطبا اقتدروا بحيلهم الملتوية على ابتداعها ببراعة، فقالوا للفقراء لنتحد كي نحمي الضعفاء من الظلم، ونضمن لكل فرد حقه في ما يملكه، ونوحد أنفسنا في سلطة عليا تحكمنا وفق قوانين تحمي الأفراد وتدافع عن حق الجميع وعلى هذا يقول روسو: “ما كان لصورة جذابة إلا أن تخدع الفقراء وتعميهم، فمن شيم الإنسان التضحية بسعادته الفعلية لأجل سواد عيون سلام وهمي، وهكذا قاد تأسيس ملكية الأرض والميثاق الاجتماعي إلى إنشاء سلطة عامة وقوانين”، وهكذا يظهر أنه بفضل الملكية تم تأسيس المجتمع الإنساني،فرزح الإنسان في استبداد وفي لا مساواة ومن دون حرية، وهنا ينكب روسو على التنظير لإعادة الحق الضائع بالدعوة إلى تعاقد اجتماعي يضمن حق الإنسان وحريته فكيف نظر روسو إلى ذلك الحق والحرية والمساواة من خلال عقد اجتماعي؟
يبتدئ روسو كتابه المرجعي ‘العقد الاجتماعي’ بدفاعه عن الحرية في قوله يولد الإنسان حرا ويوجد في كل مكان مقيدا بالأغلال ، وهو يظن أنه سيد الآخرين وهو يظل عبدا أكثر منهم ليتساءل روسو كيف وقع ذلك ؟ ومن الذي يمكن أن يجعله شرعيا ؟ يجيب روسو “أرى أنني قادرا على حل هذه المسألة “…ولو كنت لا أنظر إلى غير القوة… لقلت أن الخير هو ما يصنعه الشعب، وذلك أنه باسترداد الإنسان حريته لذات الحق الذي نزع منه، وإما أن يكون من نزعوها منه غير معذورين لذلك، غير أن النظام الاجتماعي حق مقدس ويصلح قاعدة لجميع الناس”.
وهذا يعني أن نتساءل مع روسو بما أن الحرية لصيقة بالإنسان منذ ولادته كما يؤكد “صاحب العقد الاجتماعي” في أكثر من مرة، وجعلت بالضرورة إرساء الحق والحرية والمساواة، مع إرساء مشروع جديد، ولكن هذه المرة ليس في الحالة الطبيعية بل في الحالة المدنية ، بالشكل الذي ينمي ويطور الحرية، فما الذي يضمن للإنسان هذا الحق الذي كان يتمتع به، عند انتقاله إلى الحالة المدنية؟
يبدو أن روسو يرى أن الحرية هبة فطرية في الإنسان، و تتعزز بالانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية ، بحيث تستبدل الغريزة بالعدالة، حيث يتبع الفرد أخلاق تلازم أفعاله، وسلوكاته، أي أن ما كان يكتسبه الإنسان في الحالة الطبيعية، فإنه يفقده بالعقد الاجتماعي ، إذ يتمتع الإنسان في العقد الاجتماعي بالحرية الأخلاقية المدنية، يقول روسو “حرية الإنسان الطبيعية حقا لا محددا في كل ما يغريه وما يستطيعه بلوغه ، أما ما يكسبه فهو الحرية المدنية ، التي وحدها تجعل الإنسان سيد نفسه حقيقة ، إذ أن نزوة الشهوة وحدها عبودية وطاعة القانون الذي نسنه لأنفسنا حرية. وبهذا تكون الحرية هي الصفة الأساسية ذاتها لدى روسو لأن التعاقد السياسي هو جوهر الحرية ، وقانونها ، والعقد حسب روسو مرده إلى شرط واحد هو كونه متساويا بين الجميع، وكل شخص يصنع قوته تحت الإرادة العامة التي يشترك فيها على المواطنين عن طريق آلية المساواة، وهي “الاختيار” المعروفة “بصناديق الاقتراع والتي يكون فيها الإنسان متساو كما كان في الحق الطبيعي بين الجميع، وذلك من أجل المصلحة العامة للمدينة، وللدولة، وهم المشتركون داخل الإرادة العامة ، التي تحفظ للفرد حقوقه وذلك باحترام “قوة القانون”.
ثم إن عدم التقيد بما جاء به العقد الاجتماعي، من إلزامات وثقافة التمدن والتحضر، تكون عواقبه وخيمة، وقد يؤدي هذا التشكيك في مصداقية المتعاقدين أو الملتزمين بالعقد إلى تقويض أسس حالة التمدن، وإلى انفراط حبات العقد الاجتماعي، ونتيجة ذلك ستبرز مظاهر القهر والاستبداد والطغيان، لا على مستوى الدول والحكومات في علاقتها فيما بينها، ولا على مستوى علاقة الدولة بمواطنيها. لا تسري هذه العاقبة السلبية فقط على الحكومات والدول، بل تطال كذلك الأحزاب والمؤسسات الغير حكومية، أي المجتمع المدني، وأيضا العلاقات المجتمعية بين الأفراد والجماعات.
لم يكن غرضنا مما سبق الإحاطة الشاملة والتامة بكل حيثيات وسياقات مفهوم الحرية السياسية عند فيلسوف قال عنه نابليون لولاه لما قامت الثورة الفرنسية. فهذه الأخيرة لم تنتصر للفرنسيين وحدهم، بل انتصرت لروح العالم، على حد تعبير هيجل، فتركت للإنسانية جمعاء دروسا وقيما ترفع من قيمة المواطن الحق والفاعل، كما وفرت له إمكانات هائلة للتحرر وفق قيم العقل والحوار والقبول بالآخر، بعيدا عن منطق الوصاية والحجر. ومن هذا المنطلق كانت نية كاتب هذا السطور الإسهام، ولو بقدر ضئيل، في إثارة مسائل تمس، بعمق وحميمية، واقع الإنسان العربي بصفة عامة، والإنسان المغربي على وجه خاص لعلنا نتذكر أو نأخذ العبر.
(*) أستاذ باحث