بقلم: د. طارق ليساوي
في مقال الأمس خلصنا إلى أن أحلام “ترامب” وحلفاءه من الصهاينة العرب لن يكتب لها النجاح، وقد حللنا أسباب الفشل الحتمي لمخطط تصفية فلسطين والقدس وتمليكها للكيان الصهيوني، ومن هذه الاسباب أن الشعوب العربية والإسلامية تستيقظ تدريجيا من سباتها، وأدركت أن حكامها بلغوا درجة كبيرة من الفساد و العمالة والتبعية لأعداء الأمة، و ما توالي انتفاضات الشعوب في مختلف أقطار العالم العربي المنكوب إلا دليل على هذا الوعي و الإدراك و الرغبة الجامحة لتحرير الإرادة الشعبية..هذا إلى جانب أن القران الكريم الذي يشكل دستور المسلمين في كل زمان ومكان، رغما عن أنف حكام وساسة كل هذا العالم، و أنف ألف ألف من أمثال “ترامب” و أشباهه، فهذا الدستور فيه سورة تلخص الحكاية و تتضمن سند ملكية رباني أبدي للقدس ومعه “الأرض المباركة” لا يستطيع أحد أن ينزعه من المسلمين طال الزمن أو قصر، فقد قال تعالى في مطلع سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)} [الإسراء : 1-7]، هذا الوعد مقترن بالإيمان بالله و إتباع كتاب الله و سنة نبيه المصطفى، و هذا هو مفتاح النصر و التأييد، إلى جانب الأخد بأسباب القوة و الخروج من دائرة الغثائية و الضعف مصداقا لقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال : 60]
فقضية القدس و فلسطين ليست مجرد قضية أرض و شعب و خبز و تسهيلات إقتصادية، و إنما هي قضية عقيدة بدرجة أولى، و من يتنازل عن القدس و فلسطين فهو يشكك في حجية و قطعية دلالة القران الكريم، و يكذب رواية إسراء رسول الله عليه الصلاة والسلام و إمامته للأنبياء بالمسجد الأقصى ليلة الإسراء،ويفرط في ثالث الحرمين و أولى القبلتين، فالقدس و فلسطين تفدى بالغالي و النفيس لأنها قدس الأقداس في عقيدة أهل السنة والجماعة، و التفريط فيها لا يقل في إثمه عن التفريط في الحرم المكي أو الحرم النبوي…
بل إن القدس شكلت و لاتزال تشكل في الوجدان الديني المسيحي و الإسلامي أهم منطقة في العالم، فجمال القدس و عظمتها لم تستمدهما من بناياتها و لا جغرافيتها المتميزة أو موقعها الجيو-ستراتيجي، و إنما نابعة من كونها مهد لكل الديانات السماوية فهي الأرض المباركة التي بنا بها أدم عليه السلام ثاني مسجد بعد البيت الحرام، و هي المدينة التي هاجر إليها الخليل إبراهيم عليه السلام و هي الأرض التي اشتاق موسى عليه السلام لدخولها و قومه بعد الخروج من مصر،و ما دخلوها إلا في عهد داوود عليه السلام ..وهي المدينة التي ولد بها المسيح ابن مريم ..وبالأقصى الشريف صلى محمد عليه السلام بكل الانبياء و منها صعد إلى سدرة المنتهى..
هذا الإرث الديني للقدس جعل فلسطين أو أرض كنعان تتعرض للعديد من الغزوات الكبيرة،كغزو الفلسطينيين لساحل فلسطين أو كغزو الآشوريين و البابليين و الفرس و المقدونيين تم الرومان، و ذلك قبل ميلاد المسيح عليه السلام، ثم غزوات الصلبيين و التثار في القرون الوسطى و بعد الفتح الإسلامي للقدس ..
ومن مؤشرات المكانة السامقة للقدس هو تضارب الروايات التاريخية حولها، لاسيما في أوساط الباحثين الأوربيين و المستشرقين، الذين عملوا منذ القرون الوسطى، على تزييف الحقائق ودس روايات مجانبة للواقع التاريخي للمدينة و محركهم في ذلك: 1 – العداء للإسلام و 2- سيطرة الأساطير الثوراتية على و جدانهم و3 – تحريض شعوبهم على استعمار هذه الأرض و السيطرة عليها و هو ما تحقق فعلا من خلال الحملات الصليبية،و تتحقق في عصرنا هذا بالاحتلال الصهيوني لعموم فلسطين و القدس الشريف …
ولعل تركيز المقال على هذه المعطيات التاريخية و الجانب الديني هو عنصر أساسي في فهم الصراع العربي – الإسلامي من جهة و الصهيوني -الصليبي من جهة أخرى على أرض فلسطين عامة والقدس خاصة ، فالعرب و المسلمين تدعمهم الحقائق التاريخية منذ ما قبل ميلاد المسيح بآلاف السنين، فمن استوطن فلسطين قبل أن يدخلها النبي إبراهيم عليه السلام، بعدما خرج من العراق هو و ابن أخيه سيدنا لوط في عهد الملك الطاغية “النمرود”، متجها إلى فلطسين و التي كان يحكمها الملك العربي “ملكي صادق”، هم العرب الذين هاجروا إليها من الجزيرة العربية ، ففلسطين لم تكن يوما أرضا بلا شعب كما يدعي الصهاينة ، فأول من عمرها هم العرب و هو ما تدعمه الدلائل التاريخية..
بل إن ما تزخر به الأساطير الثوراتية هو مجانب للصواب، و اليهود لم يعمرو فلسطين إلا في فترات تاريخية متقطعة، و القران الكريم يعطي للمسلم سرد تاريخي لمراحل الوجود اليهودي في فلسطين..و لما كان المقال بطبيعته لا يسمح بسرد كل التفاصيل حول تاريخ فلسطين و القدس ..فان جوهر مايسعى إليه هذا المقال، هو دفع المواطن العربي إلى قراءة تاريخ فلسطين بتمعن وعبر مصادر متعددة، تحترم مبدأ الموضوعية التاريخية و التسلسل الكرونولوجي للأحداث بعيدا عن الذاتية والهوى السياسي أو العقدي و بعيدا عن علماء و فقهاء و إعلام السلاطين، و تجنب الرواية الغربية والرواية الصهيونية التي زيفت عن عمد العديد من الحقائق التاريخية وصورت الباطل حقا و الحق باطلا ..
و للأسف خروج من يقول بأن القدس و فلسطين ليست في سلم أولوياتنا كمسلمين وعرب هو نتاج لعملية غسيل المخ و التي نجح فيها الصهاينة كما نجحوا في عملية الغسل السياسي و الاقتصادي و التاريخي، و ذلك بتواطؤ مع أنظمة سياسية عميلة ضيعت الأوطان مقابل الحفاظ على الكراسي و المكاسب..
فلسطين والقدس هي قضية كل مسلمي العالم بل قضية كل الأحرار، و الحق العربي و الإسلامي لا يمكن إنكاره و من يفكر في غير ذلك فهو ينفذ أجندة الصهيونية ، لذلك المعركة حول فلسطين و القدس، ليست معركة يحسمها السلاح و إنما هي معركة وعي و إدراك لطبيعة النزاع، فهو نزاع ديني بين عقيدتين إحداهما لازالت تحتفظ بصفاءها الرباني،و أخرى حُرِفت و تحكم فيها الهوى البشري ، فنصرة القدس و الانتصار لها هو بخلاصة انتصار للعدل و للحق، و للأمل في غد تخرج فيه الإنسانية من ظلم الاستبداد و وجور الهيمنة و العبودية الاقتصادية والسياسية إلى رحابة وسماحة وعدل الإسلام…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون..
أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي.. أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..