بقلم: رياض الفرطوسي
يُشاع دوماً أنَّنا نعتصمُ في أبراجٍ عاجية ( أصحاب القلم والرؤية ) ، بعيدين عن ضجيجِ الشارع وأوجاع المارة، لكنَّ الحقيقةَ المرَّة هي العكسُ تماماً؛ فالإنسانُ الذي يسيرُ في الزحام مغمض العينين عن الهاوية التي تنتظره هو من يسكن البرج العاجي حقاً، إذ يحميهِ جهلُه من فتكِ القلق. أمَّا نحن، فالمعذبون بهمومهم التي لا يدركونها. نحن كطائر “البطريق” الذي يطلقُ صياحَه المنذر قبل أن تجتاحَ العاصفةُ الجليديةُ كلَّ شيء؛ ندقُّ أجراس الخطر لننبهَ الغافلين من غرقٍ محتوم، بينما يظنُّنا الآخرون نهذي كما كان يظنُّ معاصرو كاساندرا في الأساطير اليونانية، حين كانت ترى الحريق قبل وقوعه ولا يصدقها أحد.
ما الذي ننشدهُ حقاً حين نصرخ بضرورة التغيير؟ هل غايتنا هي مجرد إعادة طلاء الواجهاتِ بألوانٍ مبهجة؟ إنَّ ما يحدث غالباً يذكرني بمقولة تانكريدي الشهيرة في رواية “الفهد” لجيوزيبي لامبيدوزا: “يجب أن يتغير كل شيء لكي يبقى كل شيء على حاله”. إن استبدال “الحارس (أ)” بـ “الحارس (ب)” مع الإبقاء على مفاتيح السجن بيد السجان نفسه ليس تحولاً، بل هو إعادة إنتاجٍ للركود بلمسةٍ عصرية. إنه أشبه بمحاولة إصلاح سفينة غارقة عبر تلميع مقاعدها الجلدية، بينما الثقب في القاع لا يزال يبتلع المحيط.
إنَّ المشهدَ السريالي الذي يمرُّ بنا يثبتُ يوماً بعد آخر أنَّ “المحرك” الحقيقي لا يسكن دائماً في المكاتب التي نراها. فكم من فتراتٍ مرت والبلادُ في فراغٍ إداري، ومع ذلك استمرت الماكينةُ في الدوران بالنمطِ نفسه. هذا يذكرنا بما طرحه ميشيل فوكو حول “السلطة الخفية”؛ فالأزمةُ هنا ليست خللاً عشوائياً، بل هي بنية منظمة تدرُّ المغانمَ على صناعها، ومسرحيةٌ محبكةُ الإخراج، خيوطها ممتدةٌ إلى ما وراء الحدود، تلبي كلَّ المصالح إلا مصلحةَ الإنسان الذي يظن أنه يقود مصيره.
المعضلةُ الحقيقية لا تكمنُ فقط في نقص الخدمات، فالأمر يتجاوز حدود “دولة الرفاه” التي تحدث عنها كينز. الدولةُ في جوهرها مؤسسةٌ محايدة، أما الأزمةُ ففي “العقل السياسي” الذي لا يفرّقُ بين إدارة المؤسسة وبين السطوة الشخصية. نحن نعيشُ في طوفانٍ من السطحية، حيث تغيبُ مفاهيمُ “التنمية” و”بناء الإنسان” لتصبح مجرد كلماتٍ غريبة في قاموسِ اليوميات، تماماً كأرض “يوتوبيا” توماس مور؛ جميلة في الكتب، ومعدومة في الواقع.
وحين ترصدُ أحوالَ الناس، ستجدُ “ثقةً غريبة” في غير محلها؛ إذ يسهلُ إشغالُ العقلِ الجمعي بـ “مجتمعات الاستعراض” التي وصفها غاي ديبورد، حيث تحلُّ الصورة والخرافة محل الواقع. سيترك الجميع قضايا السيادة والعدالة، وينشغلون بقصصٍ وهمية عن معجزاتٍ زائفة أو إشاعاتٍ تم تصميمها بدقةٍ لتخديرِ الوعي.
إنَّ التغييرَ الذي ننشدهُ ليس في تبديلِ الأسماء، بل في تغيير “البارادايم” أو النموذج الفكري الذي يديرُ اللعبة، كما اقترح توماس كون. وإلا، سنبقى مجرد “معذبين” بوعينا، في واقعٍ يهربُ سكانه من الحقيقةِ الموحشة إلى أحضانِ السرابِ المريح، يرقصون في دوامة نيتشه لـ “العود الأبدي”، حيث تتكرر المأساةُ ذاتها، بوجوهٍ مختلفة، ولغةٍ واحدة لا تتغير.