بقلم: لحسن الجيت
الحملة الانتخابية كما نعاينها اليوم كشفت لنا في سابقة من نوعها عن حقيقة السياسيين أو ما يسمى بزعماء بعض الأحزاب السياسية- المشهد الانتخابي على علته ورداءته ما هو إلا نتاج وصورة حقيقية لأحزاب أقل ما يقال في حقها أنها لا تمثل إلا نفسها وبالتالي لا تعدو أن تكون سوى دكاكين تتاجر في السياسة في كل موسم انتخابي تضرب لنفسها موعدا معه مرة في كل خمس سنوات- هذه الأحزاب فاقدة للشرعية السياسية والشعبية، لا هي جديرة بالثقة ولا هي أصلا تستحقها –
من بين تجليات هذا العجز وهي أن هذه الأحزاب تريد أن تشارك في الاستحقاقات الانتخابية وتريدها أن تكون ديمقراطية وشفافة، بينما واقع حالها في الأصل تعذ أحزابا غير ديمقراطية ولا تفتح المجال لأطر شابة كي ترقى بنفسها إلى مستوى مدرسة سياسية في الوعي وفي الوطنية- فهذا الإقصاء قد ينضاف إلى علل شتى لصيقة بتلك الأحزاب منها كذلك غياب التأطير- ولطالما نبه جلالة الملك إلى هذه الآفة وما قد تشكله من تداعيات خطيرة على المجتمع من انغلاق أو انفلات – غياب التأطير يترتب عنه إبان الموسم الانتخابي سلوك مشين للتعويض عن الخصاص في عملية الترشيح المعروف بالترحال السياسي أو الاستعانة بالأعيان وأصحاب ” الشكارة”-
فكيف يرجى من تلك الأحزاب التي هي غير قادرة على التأطير أن تضع برامج سياسة استراتيجية شاملة لمختلف مناحي الشأن العام – معظم تلك الأحزاب عاجزة عن وضع بناء تصور عام إما لأنها لا تقرأ الواقع قراءة موضوعية أو لا تدري عنه شيئا أو أنها محكومة ببنية فكرية مستوردة أو دخيلة لا صلة لها بالواقع المغربي- ولعل هذه الظاهرة لها مكان في عقلية اليساريين والقومجيين والكوفيين بمعنى تجار وسماسرة الدين-
ولأنها غير قادرة على وضع البرامج فإنها تحاول في حملتها الانتخابية أن تؤثث المشهد يضغضغة المشاعر بقضايا عقائدية بعيدة كل البعد على أن تكون وطنية بنية استخدامها كمتكئ في حملتها التي هي أقرب إلى التحريض من الاعتناء بقضايا الناس-
شيخ العدالة والتنمية المدعو عبدالإله بنكيران أو كما يسمي نفسه “بابن مفتاحة” يعطي لنا الدليل القاطع في هذه الحملة الانتخابية على أنه هو وحزبه لا يملكان أي تصور فكري أو برنامج سياسي مرصوص البنيان في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتربوية- ولذلك ما نعاينه اليوم في حملة هذا الرجل وهي أنها تعتمد بالأساس أولا على عنصر الشخصنة أي مهاجمة خصومه في حياتهم الشخصية وهو في ذلك لا يستقر على حال- فهو رجل مزاجي بامتياز- بين خرفه ومزاجيته شعرة واحدة- فالصديق عنده قد يتحول إلى خصم ويطعن في شخصه بالسب والشتم من دون مراعاة للثناء الذي كان يغدقه عليه عليه من قبل-
ثانيا هذا الرجل الذي كان رئيس حكومة لم يتعلم كيف يهتدي أن يكون رجل دولة– كان من المفترض أن يشكل مروره في الحكم فرصة مواتية لكي يحترم الناس عوض أن يهين المغاربة بأصناف متعددة من الإهانة لا أسمح لنفسي ككاتب مقال أن أرددها على مسامع القراء– وأكتفي بما يليق ذكره بعد أن خاطب المغاربة ليوهمهم بأن العقيدة أولى من غلاء أسعار اللحوم- فنحن هنا كمغاربة قد نجد أنفسنا أمام عملية غسل الدماغ وجعل الدين كما قيل عنه ممن قبل بأنه أفيون الشعوب- بل أكثر من ذلك أن السيد بنكيران الذي قال عن نفسه يوما ما أن جده كان صحابيا، ها هو في حملته الجارية يقول للمغاربة أن من صوت لبنكيران ولحزب العدالة والتنمية فإن الله سينزل عليه الر حمة- ولربما غدا يوم القيامة سيكون عبدالإله بنكيران خير من يشفع على المغاربة يوم الحساب-
وإذا كانت حملته الانتخابية خالية تماما من إحصائيات وأرقام ومن قراءات موضوعية للحالة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وخالية كذلك من مقترحات بديلة كحلول للأوضاع بصفة عامة، فما موقفه اليوم من التوجه المعلن عن رفع مستوى العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات- وقد سبق لهذا الرجل أن اعترف في وقت ما بأنه قد فشل في إسقاط التطبيع– وهذا الأمر قد يطرح سؤال كبيرا على جماعة بنكيران هل هم على استعداد للمشاركة في حكومة منبثقة عن الانتخابات ، إذا ما كتب لهم ذلك، في حال تنزيل ذلك القرار القاضي برفع العلاقات بين الرباط وتل أبيب- شخصيا لا أعتقد ذلك إن كان قولهم هو فعلهم- ولأنهم يقولون ما لا يفعلون سوف يخرج علينا بنكيران بخرجاته البهلوانية مثل ما عودنا سابقا ليبرر تناقضاته بحجة لطالما اختفى من وراءها وهي من قبيل ” سيدنا هو اللي كيحكم”-
ورغم أن المقارنة لا تجوز بين الفكر الظلامي والفكر العلمي وبين الوهم والجهل من جهة والمعرفة المبنية على العلم، فإنني أستسمح من السيد فوزي لقجع أن أقحمه في مقارنة كمسؤول ناجح مع مسؤول سابق فشل فشلا ذريعا في تسيير الشأن العام- وأقول بأن المقارنة لا تجوز ولكن في بعض الأحيان لابد من الأخذ بها لتنوير الرأي العام بين مهرج وبهلواني وبين مسؤول جاد يعزز الخطاب السياسي بلغة الإحصائيات ولغة الأرقام- إنه السيد فوزي لقجع المميز بوطنيته الصادقة وغيرته على بلاده- فصيح اللسان يمرر رسائله بكل ثقة يرتاب منها خصومه وتربك حساباتهم ويقض مضاجع حزب العدالة والتنمية- ولعل ذلك قد غاض بنكيران ودفعه إلى مخاطبة السيد لقجع “بأنك لست نبيا حتى تغير كل الأوضاع”- هذا الكلام مردود عليه من تلقاء نفسه وفيه نوع من الاعتراف بكفاءة من يقود الآن حملة حزب “البام” بخطى ثابتة وعلى درجة عالية من الثقة والمسؤولية يقابلها تفاعل شعبي يبشر بمجيء هذا الرجل إلى السلطة لكي يكون خير معين لجلالة الملك في المرحلة المقبلة- إنه بالمختصر المفيد الرجل المناسب لرفع التحديات وما أكثرها التي قد يواجهها المغرب في الولاية التي نحن على مشارفها- فالمغرب بعد أن استطاع أن يبني علاقات قوية وتحالفات لها وزنها وحقق بفضلها إنجازات ومكاسب إقليمية ودولية وأعادت الاعتبار لبلادنا، لا يمكن بأي وجه كان التفريط في هذه المكانة التي تبوأتها بلادنا أو النيل منها من خلال من لا يقدر المسؤولية حق قدرها – فعالم اليوم تحكمه المصالح ومن يريد أن يكون حضوره وازنا فلا مكان له فيه من خلال عقيدة أو إيديولوجيا عفا عنها الزمن-