عن واقع المعتزلة في الماضي وعن واقعهم في حاضرنا الماثل؟؟؟؟ ح.3

 بقلم: د.محمد وراضي

   لن نخوض فيما حصل من خلافات بخصوص سبب حمل المعتزلة للإسم الذي عرفوا به، يكفي الوقوف عند سبب واحد هو انفصال واصل بن عطاء الغزال (بالتشديد على الزاي) عن شيخه الحسن البصري، بعد أن كان من أنجب تلامذته. وكان أن وصف نهجه الكلامي المتميز ب”الواصلية”، هذه التي ترسو على أربع قواعد، قدمها وشرحها بما يكفي من الوضوح، الشهرستاني في مؤلفه القيم “الملل والنحل”. ونحن نقدمها تباعا نقلا عنه، مع قليل من التصرف والتحوير الضروريين.

القاعدة الأولى: نفي صفات الله نفيا فلسفيا كلاميا ، لغاية تأكيد وحدانيته سبحانه من جهة، وبعيدا عن أي تشبيه يمكن تصوره بخصوصه من جهة ثانية، لأن التشبيه في أية صورة كما هو مسلم به نقلا وعقلا من الشركيات. وهكذا نقرر بمنطق المعتزلة الصارم، كيف أن الصفات الإلهية الواردة في القرآن لا تخلو من حالين: إما أن تكون قديمة، وإما أن تكون محدثة. فإن قلنا: إنها قديمة بقدمه سبحانه، سلمنا بأنها مشاركة له في القدم. فكيف نتحدث إذن عن وحدانيته أو عن توحيده الخالص؟ وإن قلنا: إنها محدثة، فهذا يعني أنه تعالى أصبح – كمجرد مثال – عالما، ثم قادرا، ثم مريدا، بعد أن لم يكن كذلك!!! وهذا نقص لا يليق بربوبيته وبألوهيته. مما يعني أن صفاته إذن ليست قديمة ولا محدثة، إنها – كنتيجة منطقية في نظر المعتزلة – عين ذاته، فهو على هذا الأساس يرى بذاته، ويعلم بذاته، ويقدر بذاته!!! بحيث نكون هكذا أمام حيرة مؤداها هذان التساؤان؟ هل نصف المعتزلة بنفاة الصفات ونصف خصومهم السنيين بالصفاتيين أو المتبثة؟

القاعدة الثانية: نفى الواصليون القدر، نقلا عن كل من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي. فقد قرر واصل أن الله تعالى “حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم. ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية” مما يعني بكل بساطة أن الإنسان حر مسؤول عن أفعاله، والحال أنه سبحانه يقول في سورة “غافر”: “من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب”. غير أنه تعالى في سورة “الأنبياء” يقول: “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون, لا يسأل عما يفعل وهم يسألون”.

   بحيث إننا في القرآن الكريم أمام آيات تفيد كون الإنسان خاضع لقضاء الله وقدره، وأخرى تفيد بأنه حر قادر على فعل ما يريد، وأنه مسؤول عن كافة أفعاله. فكان أن تمخض التحاور في الأصول عن وجود فريقين: فريق ينتصر للطرح الأول وفريق ينتصر للطرح الثاني. ونحن ملزمون بمناقشة أقوال هذين الفريقين كليهما.

القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين: “والسبب فيه أنه دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج عن الملة، وهم وعيدية الخوارج. وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر. والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من أركان الإيمان، فلا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا”؟   

    وقبل أن يجيب الحسن البصري بادر واصل بن عطاء بالإجابة الآتية “أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا، ولا كافر مطلقا، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر”.

القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين: أصحاب الجمل وأصحاب صفين” إن أحدهما مخطئ لا بعينه. وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه. قال: إن أحد الفريقين فاسق لا محالة. وأقل درجات الفريقين أنه لا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين”.

    ولم يقف الأمر عند حد “الواصلية” كأول فرقة معتزلية فضلا عن كونها أساسا لباقي فرقها . فهناك “الهذيلية” (أتباع أبي الهذيل العلاف: 135ـ 226ه). و”النظامية” (أتباع إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام المتوفى سنة 231ه). و”الخابطية” (أتباع أحمد بن خابط المتوفى سنة 232ه). إلى جانب فرق أخرى معتزلية متفاوتة، من حيث ما تتفق عليه، وما تضيفه إلى القواعد الأربعة التي تقوم عليها “الواصلية”.

    ف”الهذيلية” على سبيل المثال، ترى أن الله تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة، وحياته ذاته. وهذا ما اقتبسه من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، والصفات ليست معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته.

    أما إبراهيم النظام فادعى أن الله لا يوصف بالقدرة على الشر والمعاصي، خلافا لأصحابه الذين قضوا بأنه قادر عليها، لكنه لا يفعلها لأنها قبيحة.

    وتمضي “الخابطية” في نفس مجرى الابتداع، بإطلاق العنان للعقل والهوى، فقد وافق مؤسسها النصارى في اعتقادهم بأن المسيح “هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: “وجاء ربك والملك صفا صفا”. كما قال الخابطي ببدعة ثانية هي التناسخ، وببدعة ثالثة، هي استبدال الله الذي سوف يراه المؤمنون يوم القيامة بالعقل الأول، هذا الذي هو أول مبدع، وهو العقل الفعال لدى الفلاسفة، وهو الذي تفيض الصور منه على الموجودات.

   وكثرة الفرق المعتزلية تحول دوننا والتطرق إلى كل الموضوعات التي تناولتها متفرقة أو مجتمعة، ومع ذلك، سوف نحاول مناقشة أخطرها كالتوحيد، والعدل الذي ينظر إليهما أهل السنة والجماعة كبدعتين ضلاليتين. مع العلم بأن المعتزلة معروفون بأهل التوحيد والعدل؟؟؟

تعليقات (0)
اضافة تعليق