بقلم: منير الطاهري (.)
قد تتجاوز الأحداث الجارية في سبتة كونها مجرد طوارئ هجرة غير نظامية، لتتحول إلى إشكالية مركبة بأبعاد سوسيولوجية، سياسية، نفسية، واقتصادية. فالمسألة التي تطرح نفسها أمام المتتبع والمحلل بقوة هي هل المغاربة يفرون من وطنهم، أم أن الوطن هو الذي يتخلى عن أحلامهم ويتهرب من تطلعاتهم؟ هذا السؤال سنتناوله في مقاربة أولية للمعهد الإفريقي للحكامة والشفافية بمقاربة مجردة من الأحكام الأخلاقية ومعتمدة على جملة من النظريات والتفسيرات العلمية، وذلك على المستويات التالية:
أولاً: مقاربة ألبير هيرشمان ونظرية الخيارات الثلاث (الخروج، الصوت، الولاء) حيث يميز هيرشمان في كتابه الشهير “الخروج، الصوت، والولاء” بين ثلاث استراتيجيات لمواجهة تدهور أداء المؤسسات أو الدولة:
· الخروج (Exit): أي المغادرة أو الهجرة.
· الصوت (Voice): أي الاحتجاج والمطالبة بالتغيير.
· الولاء (Loyalty): أي الصبر والتمسك بالانتماء رغم الصعوبات.
وبإسقاط هذا التصور على مشاهد سبتة، نجد أن محاولات العبور الجماعي تعكس اختيار “الخروج” كخيار عقلاني محفوف بالمخاطر، خاصة حين يصبح “الصوت” غير مجد للتعبير عن الرفض الجماعي. هذا الخيار، في نظر هيرشمان، ليس هروبا عشوائيا وإنما استجابة ملموسة لواقع الحرمان والتهميش والإقصاء.
ثانيا: المقاربة السياسية – هل نحن أمام أزمة عقد اجتماعي؟ كما صاغها جان جاك روسو وفي امتداداتها الحديثة؟ إذ يقوم العقد الاجتماعي على تعاقد بين الشعب والقيادة تلتزم بموجبه السلطة بتوفير الأمن، والكرامة، والفرص، والعدالة، مقابل التزام المواطنين بالشرعية والدفاع عن المصالح الجماعية. لكن هذا النموذج التعاقدي أصبح، في الواقع، غير كافٍ لتحليل آليات العيش المشترك، بسبب تآكل مصداقيته، وطغيان تأويلات نكوصية للوثيقة التعاقدية لصالح النخب المسيطرة على الثروة والسلطة، مما أضعف الثقة في أسس التعايش.
ثالثا: الهوية والانتماء – كيف تتنازل شرائح واسعة عن هويتها؟ يرى في ذلك بنديكت أندرسون الأمة باعتبارها “جماعة متخيلة”، تقوم على رموز تاريخية وهوياتية، لكنها أيضاً تحتاج إلى شعور متجدد بالعدالة وتكافؤ الفرص والاعتراف بالمواطنة. وهذه المشاعر هي التي ينبغي للدولة أن تعيد إنتاجها، كي يقتنع المواطن أن مستقبله يكمن داخل حدوده، لا خارجها، في إطار يمزج بين الهوية الوطنية، والكرامة، والانتماء.
رابعاً: المواطنة كإطار تحليلي – أهي حقاً مفهوم متجذر؟
بحسب ت. هـ. مارشال، تقوم المواطنة على ثلاث ركائز: الحقوق المدنية، والسياسية، والاجتماعية. وإذا شعر المواطن أن الحقوق الاجتماعية (كالعمل، والتعليم، والسكن) أصبحت عصية المنال، تتحول المواطنة من علاقة مشاركة وانتماء دستوري، إلى مجرد وضع قانوني هجين. والأسف أن التشريع المغربي لم يطور بعد قوانين تعيد ربط المدنية بمفهوم المواطنة، وتجعل من الأخيرة عنصراً مركزياً في القانون المدني.
خامساً: هل الدولة هي من تهرب من مواطنيها؟
نتساءل: هل غياب الديمقراطية والشفافية، وسوء التدبير، واستفحال الريع، وتضارب المصالح، وفساد المال والسلطة، كلها عوامل تجعل دولة المؤسسات تبتعد عن أبنائها جيلاً بعد جيل؟ عندما تعجز مؤسسات الدولة عن تلبية تطلعات شريحة كبيرة من مواطنيها، فهل يظل الصبر ممكناً؟ هذا العجز يطرح بقوة مسألة الثقة في الدولة، حتى في لحظات الاحتفاء بالولاء للملكية والهوية الوطنية.
الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية، وهما جزء من الوطن المحتل، ليست مجرد ظاهرة هامشية، بل مؤشر على تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وفقدان الثقة في المستقبل. وبالعودة إلى هيرشمان، فإن ازدياد “الخروج” إنما يكشف عن تراجع فاعلية “الصوت” الاحتجاجي والانتخابي في التأثير على واقع الناس، مما يعكس خللاً مفاجئاً وغير متوقع في العقد الاجتماعي، خلل يقوض بناء الثقة والانتماء والمواطنة.
(.) مدير المركز الإفريقي للحكامة والشفافية