قراءة تحليلية في قصيدة “بعض النساء” للشاعرة المغربية عائشة تاقي

بقلم: حفيظ حاجي

تكتب الشاعرة عائشة تاقي نصها من منطقة يلتقي فيها الشعر بالحكمة، والوجدان بالتأمل، فلا تقدم المرأة باعتبارها موضوعا للغزل أو وصفا خارجيا، وإنما تجعل منها كيانا رمزيا يتجاوز حدود الجسد إلى رحابة المعنى. ومنذ العنوان “بعض النساء” يتبين أن الشاعرة لا تتحدث عن النساء جميعا، بل عن نماذج استثنائية ارتقت بالروح والفكر والكبرياء حتى غدت علامات مضيئة في الوجود.

يعتمد النص على تكرار اللازمة “بعض النساء…”، وهو تكرار لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يؤسس لتصاعد دلالي متدرج، إذ تنتقل المرأة من صورة إلى أخرى، ومن مقام إلى مقام، في رحلة جمالية تبدأ بالقصيدة وتنتهي بالأسطورة الإنسانية التي يصعب تفسيرها أو الإحاطة بأسرارها.

تتميز القصيدة بكثافة صورها الشعرية ورهافة خيالها، حيث تستعير الشاعرة عناصر الطبيعة والكون لتشييد عالمها الرمزي. فالمرأة مرة قصيدة تتلى على شفاه القمر، ومرة نبيذ معتق في دنان العمر، ثم عطر تخجل منه أعين الزهر، قبل أن تصبح معجزة لا تفسر في الكتب. وهذا التنامي في الصور يمنح النص بعدا تصاعديا يجعل المرأة ترتقي من الجمال إلى الحكمة، ومن الحضور الحسي إلى الحضور الوجودي.

ومن أبرز مواطن الجمال في النص ذلك الانسجام العجيب بين اللغة والإيقاع. فالألفاظ منتقاة بعناية فائقة، رقيقة دون ضعف، وعميقة دون تعقيد. الكلمات تنساب بالفعل كما لو أنها قطرات ندى على أوراق الصباح، فلا يشعر القارئ بثقل في العبارة ولا بتكلف في المجاز، بل يجد نفسه أمام موسيقى داخلية هادئة، مصدرها حسن اختيار المفردة، وتوازن الجمل، وانسياب الصور في تدرج طبيعي بديع.

كما تنجح الشاعرة في بناء شبكة من الاستعارات الممتدة، فلا تكتفي بصورة منفردة، بل تجعل كل مقطع فضاء تصويريا متكاملا. البحر، المطر، الزهر، الغيوم، الرياح، الناي، القمر، الربيع… كلها تتحول إلى شخصيات تشارك المرأة في صناعة الدلالة، وكأن الطبيعة بأكملها تتآلف لتمنح هذا الكائن الإنساني بعده الكوني.

وفي القسم الأوسط من القصيدة، يتحول الخطاب من الوصف إلى التأمل الفلسفي، حين تؤكد الشاعرة أن بعض النساء لا يعرفن إلا حين يختفين عن البصر، وهي عبارة تحمل دلالة إنسانية عميقة، مفادها أن قيمة الأشخاص الحقيقيين لا تدرك دائما في زمن حضورهم، وإنما يكتشف أثرهم بعد الغياب. وهنا تبلغ القصيدة إحدى ذرى نضجها الفكري، حيث يصبح الأثر أبلغ من الحضور، والذاكرة أوسع من اللحظة.

أما المقطع الذي تبدأه الشاعرة بقولها: “إن سألتهن من أنتن؟”، فهو يمثل ذروة النص من الناحية الفكرية، إذ تنتقل المرأة من كونها موضوعا للوصف إلى ذات متكلمة تعلن تعريفها بنفسها. إنها لا تعرف نفسها بالأسماء أو الصفات التقليدية، وإنما بالأسئلة، والقلق، والحنين، والذاكرة، والانتماء إلى مجرات بعيدة، وهو تعبير بالغ الشعرية يجعل المرأة رمزا للإنسان الباحث أبدا عن المعنى.

وتأتي الخاتمة لتؤكد أن الحب في منظور الشاعرة ليس استجداء ولا تبعية، وإنما تجربة كبرى لا تتكرر. فالحب الذي تمنحه تلك المرأة ليس عاطفة عابرة، بل أثر وجودي يبقى محفورا في الذاكرة، ولذلك تختم بصورة موحية تقول فيها إن من شرب من نبيذها مرة لن يرتوي بعدها من نهر، في استعارة تختزل فرادة التجربة الإنسانية التي لا يعوضها بديل.

أسلوبيا، تتسم القصيدة بعذوبة لافتة، ورقي في البناء، وانسيابية تجعل القارئ ينتقل بين المقاطع دون شعور بانقطاع. كما أن الشاعرة توفق بين اللغة الفصيحة الرفيعة والوضوح الدلالي، فلا تغرق في الغموض، ولا تستسلم للمباشرة، بل تحافظ على ذلك التوازن الدقيق الذي يميز النصوص الشعرية الناضجة.

إن “بعض النساء” ليست قصيدة في مديح المرأة بالمعنى التقليدي، وإنما هي نشيد شعري يحتفي بالمرأة حين تصبح قيمة إنسانية، وذاكرة، وأثرا، وكبرياء، وجمالا أخلاقيا وروحيا. وهي قصيدة تفيض بالرقة دون أن تفقد قوتها، وتزدان بالصور دون أن تثقلها الزخرفة، وتقول الكثير بلغة شفافة كندى الفجر، حتى تبدو أبياتها وكأنها ولدت من مصافحة بين القلب والخيال.

لقد استطاعت عائشة تاقي في هذا النص أن تؤكد امتلاكها لناصية الصورة الشعرية، وأن تقدم قصيدة تمتاز بعذوبة الأسلوب، ونقاء اللغة، وعمق الرؤية، لتترك في نفس القارئ أثرا لا يقل جمالا عن الأثر الذي تحدثت عنه داخل القصيدة نفسها، وهو ما يجعل هذا النص من الأعمال التي لا تُقرأ مرة واحدة، بل تستدعي العودة إليها كلما اشتاق القارئ إلى شعر يلامس الوجدان ويرتقي بالذائقة …/

بعضُ النِّساءِ
…………………..
بعضُ النِّساءِ..
يَصرن قصائد
لا تُكتب على الورق
بل تُتلى على شفاه القمر
تُحفظ بين ثنايا الصبح
ووَريد المطر.

بعضُ النِّساءِ ..
يَصِرن نبيذا مُعَتَّقا في دِنان العمر
يَسكَرُ شاربه سَكْرَتَان:
سَكْرَةُ المعنى أذا تجلى وسَكْرَةُ الأَثَر
كالبحر في مد وجزر
يخفي الحكايا في صدره الأغر
ويحفَظُ خطى كل من عَبَرْ.

بعض النساء..
يصرن عطرا ..
أَطرَقَت خجلا من هيبته أَعيُن الزهر
يَغزِلن من خَيط الضِّياءِ رداءً
يَكسو عُرْيَ الغيوم بالمطر
ويصْنعن مِنْ هَمْسِ الرِياحِ
ترتيلةَ ناي بلا وتر..

بعضُ النِّساءِ..
يَصِرن مُعجزات
لا تُفَسَّرْ في الكُتُبِ
ولا تُروى في السِّيَر..
تُطوى تحتَ أضُلعِهِنَّ الأَعْصُر
فصولَ حكايات أرهقها السفر
فإنْ مَرَرْتَ بجانب إحداهن
فلا تَلتفِت كثيرا ولا تنتظر
ولا تَمُدَّن عَينَيك لما لست عليه بمُقتدر
فبعضُ النِساء لا يُعرَفْنَ
إلا حين يختفين عن البصر
ولا يُفهَمْن إلا بعد أن يُقتَفى الأَثَر

دَعْهن يمضين..
ودَعْ على جَبينِهن نجمة
زانَها العز والبهاء والفخر،
وكل ما هنَ به أَجدَرْ.
كالقصيدة هُن، شيمتها الكِبَر
مهما عذبها البين وأضناها الهجر
تظل كالغصن سامقة يَهدي ولا يُهدى له الثمر

بعض النساء..
إن سألتهن من أنتن ؟
أجَبن ببديع الفكر والنظر
نحن السؤال المُحيِّر
نحن الحقيقة إن أَمسَكَت باليقين تَبخَّر
نحن الهزيع الأول من ربيع العمر
نحن وَجَع الفراغ بين المطر والمطر
ننتمي لمَجَرَّات لم نرَها
وننشد أناشيد الشجن
لأَوطانِ ما وطأناها
ولا طاب لنا فيها مُستَقر
أطلال هنا وهناك أيقظت فينا شهود الهوى:
أسقام ودمع وسهر
وحروف بلا وميض
بَسَطَت أعذارها
وما لكل ذي ذنب عذرُ..

نعم نحن بعض النساء..
لا نسأل عن قلب أذا هَجَر
لا نتسول حبا..
ولا نستعطف قلب بشر
إن ذُقتم الهوى منا يوما
لا تبحثوا عن بديل له مدى العمر
فمن شرب من نبيذنا مرة
لا يرتوي بعدها من نهر وإن غَزُر
ولن يموت إلا..
وإسمنا على شفتيه آخر ما ذَكرَ

خربشات عائشة
02/07/2026

تعليقات (0)
اضافة تعليق