«مسار في التدبير المحلي» قراءة في تجربة عبدالعزيز الدرويش في الحكامة والتنمية الترابية

في التدبير العمومي، لا تُصنع التجربة بكثرة الظهور، ولا تُقاس المسؤولية بما تحمله من ألقاب، بل بما تتيحه من قدرة على فهم المجال، وقراءة حاجياته، وتنسيق الفاعلين، ومتابعة المشاريع حتى تتحول من قرارات مكتوبة إلى أثر ملموس.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة مسار عبدالعزيز الدرويش باعتباره مساراً تشكل في نقطة التقاء بين الإدارة والتدبير الترابي والعمل المؤسساتي؛ تجربة أتاحت له الاقتراب من الملفات الاجتماعية والتنموية للعاصمة، وممارسة المسؤولية من موقع يتطلب الجمع بين الرؤية والواقعية، وبين القرار والمتابعة، وبين الإمكانات المتاحة وانتظارات المجال.

على رأس مجلس عمالة الرباط، ارتبطت المسؤولية بملفات لا تحتمل التدبير عن بُعد: برامج اجتماعية، مؤسسات للرعاية، قضايا الهشاشة، دعم الأشخاص في وضعية إعاقة، الشباب، الشراكات مع المجتمع المدني، ومشاريع للتأهيل والتنمية المحلية. وهي مجالات تجعل من المسؤولية اليومية تمريناً دائماً على ترتيب الأولويات، وبناء التوافقات، وتتبع التنفيذ، والتعامل مع تعقيدات الاختصاصات وتعدد المتدخلين.

ولأن التنمية الترابية لا تُبنى داخل حدود مؤسسة واحدة، امتدت التجربة إلى فضاءات أوسع من خلال رئاسة الجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم، والانخراط في قضايا اللامركزية والجهوية المتقدمة والتعاون الترابي. وهو امتداد يمنح للتجربة المحلية بعداً آخر: الانتقال من تدبير مشروع داخل مجال محدد إلى التفكير في شروط نجاح السياسات الترابية نفسها.

من الإدارة إلى الميدان

ما يميز هذا النوع من المسارات هو الجمع بين معرفة دواليب الإدارة والاحتكاك المباشر بواقع التنفيذ.

فالسياسات العمومية قد تبدو واضحة في الوثائق، لكن الميدان يكشف دائماً المسافة بين ما يُقرر وما يمكن تنفيذه فعلياً. وفي هذه المسافة تحديداً تتكون الخبرة: في القدرة على حل التعثر، وفي بناء الشراكات، وفي إيجاد التوازن بين القانون والإمكانات والوقت والحاجة الاجتماعية.

التدبير الحقيقي يبدأ حيث تنتهي الصياغات العامة وتبدأ أسئلة التنفيذ.

ومن هنا تكتسب تجربة التسيير المحلي قيمتها؛ لأنها ليست فقط معرفة بالنصوص والمؤسسات، وإنما معرفة بما يحدث عندما تتحول القرارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى أوراش، والأوراش إلى نتائج ينتظرها المواطن.

التنمية باعتبارها قرباً لا شعاراً

في مدينة بحجم الرباط، تتعايش داخل المجال نفسه صورة العاصمة الإدارية والمؤسساتية مع حاجيات اجتماعية ومحلية دقيقة. ولذلك فإن التنمية الترابية لا تختزل في البنيات الكبرى، بل تشمل أيضاً جودة الخدمات، الإدماج الاجتماعي، دعم الفئات الهشة، الشباب، المؤسسات الاجتماعية، وتقليص الفوارق داخل المجال الحضري.

وهنا تصبح قيمة المسؤول المحلي مرتبطة بقدرته على رؤية المدينة من أكثر من زاوية:

من زاوية المؤسسة، ومن زاوية المشروع، ومن زاوية المجال، وقبل ذلك من زاوية المواطن الذي ينتظر نتيجة ملموسة.

التتبع… الحلقة التي تصنع الفرق

إطلاق المشاريع سهل نسبياً؛ أما ضمان استمرارها وتحقيق أهدافها فهو الجزء الأصعب من العمل العمومي.

ولهذا تبرز المتابعة باعتبارها إحدى أهم أدوات التدبير الحديث:

ماذا أُنجز؟ ما الذي تعثر؟ لماذا؟ من المسؤول؟ وما القرار المطلوب لتجاوز التعثر؟

هذه الثقافة في التتبع هي التي تنقل التدبير من منطق الإعلان عن المبادرات إلى منطق المساءلة عن النتائج.

وهي أيضاً ما يجعل الخبرة المحلية رأسمالاً مؤسساتياً: لأن المسؤول الذي راكم التعامل مع المشاريع والشركاء والإدارات والميزانيات والإكراهات يكتسب، مع الزمن، قدرة أكبر على التمييز بين ما هو قابل للإنجاز وما يبقى مجرد وعد حسن الصياغة.

تجربة في بناء الشراكات

لم تعد التنمية المحلية اليوم شأناً تستطيع مؤسسة واحدة إنجازه بمفردها. فالمشروع الترابي الحديث يحتاج إلى التقاء الجماعات والمجالس والإدارات والمصالح اللاممركزة والمجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين.

ومن هنا تبرز إحدى أهم وظائف التدبير:

تحويل تعدد المؤسسات من مصدر للتعقيد إلى قدرة مشتركة على الإنجاز.

إنها خبرة لا تظهر دائماً في الصور أو البلاغات، لكنها تحسم نجاح عدد كبير من المشاريع: القدرة على التفاوض، والتنسيق، وبناء الثقة بين الفاعلين، والحفاظ على المشروع داخل مساره رغم اختلاف المصالح والاختصاصات.

الرصيد الحقيقي هو ما يبقى من التجربة

قد تنتهي المسؤوليات، وتتغير المواقع، لكن ما يبقى هو الرصيد المتراكم من المعرفة بالمؤسسات والمجال والناس وآليات القرار والتنفيذ.

وفي هذا المعنى، لا تُقرأ تجربة عبد العزيز الدرويش فقط من خلال المواقع التي شغلها، وإنما من خلال ما أتاحته له تلك المواقع من احتكاك مباشر بأسئلة التنمية المحلية:

كيف تُحدد الأولويات؟
كيف تُحوَّل الموارد المحدودة إلى أثر أكبر؟
كيف تُبنى الشراكة؟
كيف يُتابع المشروع؟
وكيف يمكن للمؤسسة أن تكون أقرب إلى حاجيات المجال؟

هذه هي الأسئلة التي تصنع، مع الزمن، تجربة في التدبير.

ففي النهاية، لا تُقاس قيمة المسؤولية بما تمنحه من موقع، بل بما تتركه من معرفة، وما تنتجه من قدرة على الفعل، وما تضيفه إلى خدمة المجال والمؤسسات.

تعليقات (0)
اضافة تعليق