بقلم: احمد فاضل النوري
الصِّحافي يعتبر في الدول المتقدمة سلطة رابعة بعد السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية، لقب -السلطة الرابعة -أطلقه المؤرخ الاسكتلندي طوماس كارليل على صاحبة الجلالة نظرا للدور الكبير لهذه الأخيرة في قلب الانظمة وفضح الطغاة و تعرية الحقيقة… ، المتابع لأحداث الربيع سيرى الدور الكبير الذي لعبته الجزيرة في سقوط الأنظمة وكيف مُنعت من البث في الكثير من الدول إبان ذلك ، الصحافي لم يكن يوما مسترزقا بل قاض يأخذ نفس المسافة من جميع الأطراف قبل أن يشرع في تدوين الأحداث …، وكلنا يتذكر الدور الذي لعبته الصِّحافية البريطانية Carole cadwalla في صحيفية ” الغرديان” في اسقاط أكبر شركة تسويقية في العالم Cambridge analytica التي كانت وراء استقلال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي و الحملة الدعائية لدونالد ترامب ، كما دفعت مارك للمساءلة أمام الكونغرس الأمريكي بتهمة المتاجرة بخصوصيات الفيسبوكيين … ، صحافية واحدة أحدثت هذه الضجة و جعلت العالم يعيد التفكير في معنى الخصوصية ، الصحافي الحر هو العنصر الأكثر اضطهادا في بلده لأنه ينكأ الجرح و يكشف الهفوات ” المُزينة” فيُقلق السلطة القائمة المتاجرة في الوهم ( وهم ان الوطن بخير) … ، لهذا فاغتيال الصحافي أمر وارد و سجنه أمر عادي ، الصحافي حمدي قنديل عندما كان يؤرق مضجع مبارك قبضت عليه المخابرات المصرية و وضعته عاريا في صحراء سيناء…. ، لهذا فالصحافي الذي يرفل في النعيم بالمطلق هو صديق للسلطة و ليس فاضحا لها.
كل هذا أصبح من الماضي ، القارئ لم يعد سياسيا و لا محبا للسياسة ، القارئ الجديد بعد التدجين اصبح مولعا بالتفاهة بيوميات ” مي عيشة” و ثقافة ” البوز ” و “روتيني اليومي ” ، خط تحريري كرسته السلطة القائمة عن طريق تهييج الليبدو و سلطة الغريزة ، من منا لا يتذكر قصص ” من القلب إلى القلب المزوجشية’ قصص جعلت مبيعات الأحدث المغربية تزيد بالضعف ، يقرأها القارئ و هو يحس بنشوة عابرة…
الصحافة اليوم لم تقف عند هذا الحد بل تحولت إلى طبيب تجميل محترف يقوم بعمليات تجميلية لمن يدفع أكثر ، مقالات تحت الطلب… ، و لأن الميكرو (الأصغر ) يشكل الماكرو (الأكبر) …، فإن الصحافة الإقليمية تعطي انطباعا عن الصحافة الوطنية ، تجد صحافيي الأقاليم يبكون مع الشاة و يفرحون مع الذئب ، هم مع الشيطان و مع الرب و في منزلة بين المنزلتين ، كعاهرة تبيت في حضن من يدفع أكثر ، هناك استثناءات لكن أصبحت قليلة ، و الاستثناء لا يقاس عليه….