الشباب في صلب الخطاب الملكي: من منطق الاهتمام إلى ضرورة التمكين الفعلي

بقلم: محمد النحيلي (.)

إن الدعوة الملكية إلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة تشكل رسالة سياسية واجتماعية واضحة، تؤكد أن مستقبل المغرب لا يمكن أن يُبنى دون الاستثمار الحقيقي في شبابه، باعتبارهم قوة فاعلة في التنمية، وشركاء في صناعة القرار، وعنصراً أساسياً في بناء مغرب المستقبل.

لقد حمل الخطاب الملكي رؤية متكاملة لقضايا الشباب، تربط بين التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص، وتضع الثقة في المؤسسات وإمكانية الارتقاء الاجتماعي في قلب المشروع التنموي الوطني.

فالتحدي الحقيقي اليوم أمام الحكومة المرتقب تعيينها خلال الأيام القليلة المقبلة، لا يكمن في إعادة التأكيد على أهمية قضايا الشباب أو الاكتفاء بإعلان النوايا والالتزامات، وإنما في القدرة على تحويل التوجيهات الملكية إلى سياسات عمومية مندمجة وفعالة، وبرامج عملية قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم، تنعكس آثارها بصورة ملموسة على الواقع اليومي للشباب المغربي، وتستجيب لتطلعاتهم المشروعة، وتعيد بناء جسور الثقة بينهم وبين المؤسسات.

فالشباب المغربي يحتاج إلى فرص شغل لائقة، وتعليم جيد، وتأهيل منصف، وفضاءات للتعبير والإبداع، وآليات حقيقية للمشاركة في تدبير الشأن العام، وإلى عدالة مجالية تضمن تكافؤ الفرص بين شباب المدن والقرى، وبين مختلف الفئات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يكتسي الربط بين قضايا الشباب والتنمية الترابية أهمية خاصة، انسجاماً مع ما أكده الخطاب الملكي بشأن ضرورة الانتقال إلى العمل الميداني، والوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة وإيجاد حلول واقعية لها. فلا يمكن الحديث عن تمكين الشباب في ظل استمرار التفاوتات المجالية في الولوج إلى التعليم والتكوين والتشغيل والمرافق الثقافية والرياضية والشبابية.

كما أن وضع الشباب في صدارة الأولويات يقتضي إعادة الاعتبار لمؤسسات التنشئة الاجتماعية والتربوية، وفي مقدمتها دور الشباب والجمعيات التربوية والمنظمات الشبابية، باعتبارها فضاءات أساسية لبناء الشخصية، وترسيخ قيم المواطنة، وتنمية القدرات، وتعزيز المشاركة المدنية. وهو ما يستدعي توسيع شبكة هذه المؤسسات، وتأهيل بنياتها، وضمان توزيعها العادل بين مختلف المجالات الترابية.

ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من البرامج القطاعية المتفرقة إلى سياسة وطنية مندمجة للشباب، بأهداف واضحة، والتزامات قابلة للقياس، وموارد كافية، وآليات للتقييم والمساءلة، مع إشراك الشباب أنفسهم والجمعيات والمنظمات الشبابية في إعدادها وتنفيذها وتقييم نتائجها.

إن الرهان يتجاوز الاستجابة للانتظارات الآنية للشباب، ليشمل تعزيز ثقتهم في المؤسسات، وترسيخ قناعتهم بأن الاجتهاد والكفاءة والمبادرة تفتح أمامهم آفاق المستقبل داخل وطنهم، وأن الانتماء إلى الوطن يقترن بالتمتع الفعلي بالحقوق والفرص وإمكانيات الارتقاء الاجتماعي.

فلا يمكن أن نطلب من الشباب الثقة في المستقبل، دون أن نوفر لهم أسباب هذه الثقة في الحاضر.

ولعل الرسالة الأعمق التي يحملها الخطاب الملكي هي أن تمكين الشباب أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط بمستقبل التنمية والاستقرار والتقدم في المغرب، وأن نجاح الحكومة المقبلة في هذا الورش ينبغي أن يُقاس بمدى التحسن الفعلي في أوضاع الشباب، وليس بحجم البرامج المعلنة أو الاعتمادات المرصودة وحدها.

إن المغرب الذي نطمح إليه لا ينبغي أن يكتفي بإعداد الشباب للمستقبل، بل عليه أن يمنحهم الفرصة للمشاركة في صناعته اليوم.

(.) رئيس منظمة بدائل للطفولة والشباب

تعليقات (0)
اضافة تعليق