بقلم: هاجر السرناني
لم تعد حرية التعبير مفهوما نظريا يناقش في القاعات الأكاديمية أو يؤطر داخل نصوص قانونية جامدة، بل أصبحت ممارسة يومية يعيشها الأفراد بضغطة زر. فمع صعود منصات التواصل الاجتماعي، تحوّل كل فرد إلى “ناشر محتوى”، يمتلك القدرة على إيصال صوته إلى جمهور واسع، دون وساطة أو رقابة مسبقة. غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من دلالات ديمقراطية، يطرح إشكالا جوهريا: هل ما زلنا أمام حرية تعبير، أم أمام فوضى رقمية تتجاوز كل الحدود؟
لقد ساهمت السوشيال ميديا في توسيع هامش التعبير بشكل غير مسبوق، حيث أتاحت للأفراد التعبير عن آرائهم، وانتقاد السياسات، والمشاركة في النقاش العام. إلا أن هذا الانفتاح لم يكن دائما في اتجاه إيجابي، إذ سرعان ما ظهرت ممارسات تتجاوز حدود التعبير المشروع، من قبيل التشهير، ونشر الأخبار الزائفة، وخطاب الكراهية. وهنا تتعقد الصورة: فالفصل بين حرية التعبير والانتهاك لم يعد واضحا كما كان في السابق.
من الناحية القانونية، تعد حرية التعبير من الحقوق الأساسية المكفولة، لكنها ليست حقا مطلقا . إذ تقف عند حدود حماية النظام العام، وحقوق الغير، والكرامة الإنسانية. غير أن الإشكال في الفضاء الرقمي يكمن في صعوبة ضبط هذه الحدود، خاصة في ظل السرعة الكبيرة لانتشار المحتوى، وصعوبة تتبّع مصدره، فضلا عن الطابع العابر للحدود لهذه المنصات.
كما تطرح مسألة الرقابة إشكالا لا يقل تعقيدا . فبين من يدعو إلى تشديد الرقابة للحد من الانفلات، ومن يرى في ذلك تهديدا للحريات، يجد القانون نفسه أمام معادلة دقيقة،كيف يمكن حماية المجتمع دون المساس بجوهر الحرية؟ وهل يمكن فرض قيود فعالة دون أن تتحول إلى أداة لتكميم الأفواه؟
في هذا السياق، لم تعد المسؤولية حكرا على الدولة أو المشرع ، بل امتدت لتشمل الأفراد أنفسهم. فالمستخدم لم يعد مجرد متلق بل فاعل في تشكيل الرأي العام، ومسؤول عما ينشره ويشاركه. وهنا يبرز مفهوم “الوعي الرقمي” كأحد أهم آليات التوازن بين الحرية والمسؤولية.
إن حرية التعبير في زمن السوشيال ميديا تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تمارس في إطار من الوعي والاحترام، فتكون أداة لبناء مجتمع أكثر انفتاحا، أو أن تنزلق نحو الفوضى، فتتحول إلى مصدر تهديد للحقوق والحريات نفسها. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على جوهر الحرية دون أن نفقد السيطرة عليها.