حين هزم الواقع الدعاية… الهروب إلى سبتة المحتلة يعري خطاب التزييف والتطبيل

بقلم: نعيم بوسلهام

لم تكن مشاهد التدافع الجماعي لآلاف الشباب المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد واقعة حدودية عابرة، بل شكلت لحظة سياسية واجتماعية كاشفة، عرّت الخطاب الدعائي الذي ظل لسنوات يروّج لصورة وردية عن الواقع المغربي، حتى بدا وكأن البلاد تعيش خارج كل الأزمات التي يعانيها المواطنون يومياً.
لقد وضعت هذه الحادثة زمرة المطبلين والمستفيدين من اقتصاد الولاء أمام اختبار لم ينجحوا في تجاوزه. فبين ليلة وضحاها، انهارت السرديات التي بنتها جيوش من الحسابات الوهمية، وصفحات الذباب الإلكتروني، وجوقة من أشباه الصحفيين والإعلاميين الذين اختاروا استبدال وظيفة الصحافة في مساءلة السلطة والتعبير عن هموم المجتمع، ورضوا بدور المروج لخطاب رسمي لا يحتمل النقد، مقابل امتيازات أو منافع أو دراهم معدودة.
ولسنوات، انشغلت هذه الآلة الدعائية بصناعة واقع افتراضي منفصل عن الحياة اليومية للمغاربة. فقد أُغرقت منصات التواصل الاجتماعي بخطابات تمجيدية تتحدث عن “أفضل بلد في العالم”، فيما كانت القضايا الحقيقية تُدفع إلى الهامش. وبدلاً من فتح نقاش جاد حول البطالة، وتدهور الخدمات الصحية، وأزمة التعليم، واتساع الفوارق الاجتماعية، وارتفاع كلفة المعيشة، وملفات الفساد، جرى توجيه الرأي العام نحو معارك وهمية، أو تضخيم الإنجازات الرياضية والفنية، وتحويل مهرجانات الترفيه إلى بديل عن النقاش العمومي حول السياسات العمومية.
غير أن الهروب الجماعي نحو سبتة جاء ليهدم هذا البناء الدعائي من أساسه. فمن الصعب إقناع آلاف الشباب بالمغامرة بحياتهم وكرامتهم لو لم يكن الإحباط قد بلغ مستويات غير مسبوقة. كما يصعب اختزال هذا المشهد في مجرد “نزوة شبابية” أو “تأثير مواقع التواصل”، لأن حجم الظاهرة يعكس أزمة ثقة عميقة بين فئات واسعة من المجتمع وبين المؤسسات والسياسات القائمة.
وما يزيد من قسوة هذه الصورة أن كثيراً من الأسر المغربية تعيش اليوم تحت ضغط اقتصادي واجتماعي خانق. فهناك من فقد مسكنه بسبب عمليات الهدم المرتبطة بإعادة تهيئة بعض المناطق، ويؤكد متضررون أنهم لم يحصلوا على تعويضات أو بدائل سكنية يعتبرونها منصفة، بينما تكافح أسر أخرى لمواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، وتراجع جودة الخدمات الأساسية، وصعوبة الولوج إلى تعليم وصحة يضمنان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
في المقابل، اختارت بعض المنابر والأصوات المحسوبة على الإعلام تجاهل هذه الوقائع، أو التقليل من أهميتها، أو مهاجمة كل من يثيرها. وهنا تكمن خطورة التحول الذي أصاب جزءاً من المشهد الإعلامي، عندما أصبح بعض المنتسبين إليه ينظرون إلى الصحافة باعتبارها أداة للدعاية لا سلطة رقابية مستقلة، متخلين عن رسالتها الأساسية في كشف الاختلالات والدفاع عن حق المجتمع في المعرفة.
إن أخطر ما كشفته أحداث سبتة ليس فقط حجم اليأس الذي يدفع الشباب إلى الهجرة بأي ثمن، بل أيضاً هشاشة الخطاب الذي حاول طمس هذا الواقع لسنوات. فالدعاية تستطيع أن تؤثر في النقاش العمومي لفترة، لكنها تعجز عن تغيير الحقائق التي يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
إن الدول لا تُقاس بعدد الحملات الإلكترونية ولا بحجم التطبيل الإعلامي، وإنما بقدرتها على توفير الكرامة والعدالة الاجتماعية، وضمان تكافؤ الفرص، وترسيخ دولة القانون، ومكافحة الفساد، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. أما حين تصبح الدعاية بديلاً عن الإصلاح، فإن أول صدمة اجتماعية كبرى تكون كفيلة بإسقاط الأقنعة، وهو ما حدث تماماً مع مشاهد الهروب الجماعي نحو سبتة، التي تحولت إلى شهادة دامغة على اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه ملايين المغاربة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق