في سماء حينا بالرباط ينبت الدفء، يتقاسمه الجيران

بقلم: عبدالرحيم الحداد بن محمد

كل الأبواب مشرعة في وجه أطفال حينا الكبير ،وكل الأقفال مخبأة حتى يأتي المساء ذكريات جميلة لا لاتنسى،ولاتعد ولاتحصى .
عندما يزدان فراش أحد السكان بمولود أنثى أو ذكر،يتهلل وجه الجميع فرحا ،وتبرز في الأفق تباشير قدوم ضيف محبوب حل بين ظهرانينا .تتعالى زغاريد النساء ،ويقبلن على أم المولود فرادى وجماعات ،يهنئنها بمقدم الوليد الجديد ،ويربتن على كتفيها؛وفي أغلب الأحيان تجد نساء الحي
حاضرات قبل وصول نساء العائلة ،تجدهن متعاونات على فعل الخير ،هاته تعجن مطحون الدقيق تعد رغيفا،وأخرى تسرع في إعداد مرق خاص بالدجاج “البلدي “وبعض التوابل المحددة المعروفة ب”المساخن”،إضافة إلى الثوم والحلبة وغيرها من مكونات طابق” الرفيسة”الشهير ببلدنا المغرب ،وهو من الأطباق اللذيذة التي تؤكل في الكثير من الأوقات ،وخصوصًا عندما تلد النساء ،وهذا حسب تجربتهن يكسب الأم الولودطاقة وحيوية ،فهي في أمس الحاجة إليها بعد تعب الحمل،وآلام المخاض ،وهي تستعد لإرضاع وليدها.
ذياك جانب واحد فقط من الأوجه المتعددة للتضامن في حينا،مرتبط بواحدة من حالات الفرح والتي تميز حينا الكبير .
فالحزن فيه كالفرح ،حقا هما مناسبتان متناقضتان ،مختلفتان شكلًا ومضمونًا ،لكن ما يوحد ،بينهما هو ذاك الاهتمام المتزايد بالجوار ،و الانخراط العفوي والتلقائي في مثل هذه المناسبات،والتعاون ومشاركة الآخرين أحاسيسهم ومشاعرهم في الأفراح والأتراح.
فعندما يقبض ملك الموت روح أحدهم ،يتسارع النساء والرجال لمواساة أقارب الميت على حد سواء.يتسابق الرجال لإعداد مستلزمات الدفن من إحضار الطبيب الشرعي لفحص جثة الميت ،و تأكيد حالة الوفاة بإمضاء وثيقة رسمية من الجهات المختصة ،تسمى شهادة الوفاة .وبناء عليها تمنح شهادة الدفن لأهل الميت،تحمل اسم الفقيد الشخصي والعائلي ،عمره ،سنه، جنسه وتاريخ وفاته،ومكان وتاريخ الدفن.
ففي الوقت الذي ينشغل فيه الرجال بالصلاة على الميت بعد الإشراف على تغسيله إن كان رجلًا ، أو بعدما تنتهي النساء من تغسيل الميت إن كان امرأة .يسرع الرجال بحمله إلى المسجد لأداء صلاة الجنازة ، وغالبا ما يصلى عليه بعد الصلاة المفروضة ،وأحيانًا تؤدى صلاة الجنازة قرب المقبرة ،فيحمل جثمان الفقيد و يوارى الثرى في جو من الخشوع والرهبة . وبحكم أن أهل الميت يتفرغو ن لاستقبال المواسين ممن يخفف عنهم أساهم ومصابهم الجلل ،فإن النساء بالجوار تتسارعن لتهيئة بعض الأكل المناسب للمعزين ،وإطعام الرجال عندما يعودون من واجب الدفن.
لا أحد من أبناء حينا الكبير ينكر هذه الوقائع ،والتي ظلت راسخة قدمها رسوخًا في ثقافتنا الشعبية ،البسيطة والعفوية من جهة ،والصلبة المتينة و القوية من جهة أخرى. فقوتها تظهر بشكلٍ
جلي في تماسكها الواضح أمام ريح العولمة العاتية،وسيطرة الشبكة العنكبوتية على أذهان ونفوس الكثيرين.
فالمحبة والإخاء و التضامن قيم متأصلة في وعينا الجماعي من خلال ارتباطنا التاريخي بروح وأصالة هويتنا العربية الإسلامية.
وفي الختام لا أبالغ إذا قلت:
في سماء حينا بالرباط ينبت الدفء، يتقاسمه الجيران ،وفي أرضها يبكي الحجر فيواسيه القمر.

تعليقات (0)
اضافة تعليق