كتاب “الصحراء المغربية أسرار وخبايا” (الحلقة الثالثة)

الرباط

كتاب “الصحراء المغربية أسرار وخبايا” لصاحبه الدكتور عبداللطيف راكز، الكاتب والباحث والصحفي المغربي هو عصارة لهذه القضية المثيرة للجدل، يكشف من خلاله عن معلومات غزيرة وحساسة.

كتاب “الصحراء المغربية أسرار وخبايا” (الحلقة الأولى)

كتاب “الصحراء المغربية أسرار وخبايا” (الحلقة الثانية)

خلاصة الوضع في الصحراء وتحديات المستقبل:

يمكن اعتمادا على ما سلف ذكره من أرقام وشهادات صحراويين: الإقرار بأن ما تحقق من بناءات في الصحراء منذ الأربعين سنة وأكثر، وخاصة ما عرفه عهد الملك الشاب محمد السادس من انجازات هامة تقاطعت في مقوماتها السياسية والتنموية مع الأهداف التي يسعى الملك من خلالها إلى إعادة التوازن المطلوب في نظر الساهرين والمسؤولين عن الملف.

بين تحسين شرط الأمن والإستقرار في هذه المناطق الصحراوية المنتج الذي يوفر فرص الحياة الطبيعية لسكان الصحراء وبين متطلبات ترسيخ الإختيارات الديمقراطية والحقوقية التي يفرضها انفتاح المغرب على محيطه الإقليمي والدولي . إلا أن هذه البناءات ظلت غير كافية وغير متوازنة نظرا لما عرفته من إخلالات مالية وسوء تسيير من قبل المسؤولين ضمن المفارقات التي نلاحظها خلال اطلاعنا على الأرقام السالفة للنفقات وللأموال التي ضخت في التنمية بالأقاليم الجنوبية الصحراوية. كون هذه الإنجازات ضل تأثيرها ضئيلا على مستوى تحسين التنمية البشرية في الأقاليم الصحراوية. حيث نرى مؤشرات البطالة والفقر والأمية والتغطية الصحية لازالت مقلقة وضعيفة جدا. رغم أن هذه الإنجازات التنموية بهذه المناطق تركت آثارا واضحة على البنيات، غير أن شرائح كثيرة من الصحراويين، نفقات من مساعدات الدولة وتدخلات بعض الجهات الرسمية والهيئات المنتخبة لسد بعض الحاجيات المؤقتة.

ولهذا فإنه من الضروري للدولة أن تواصل إلتزاماتها إزاء الصحراويين ضمن إطار عام وفي السياق المجتمعي الكامل للمغرب بشكل يحمي الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويقطع الصلة مع مقاربة التمييز سواء في شكلها الإيجابي أو السلبي والتي كرست عددا من السلوكات غير الصحيحة اجتهادات متطرفة عدة، لأن تردد المسؤولين في اتخاذ قرارات تصحيحية هامة ضمن هذا المسار لأجل تدارك بعض الإشكاليات السياسية والإقتصادية والتنظيمية التي علقت بكيفية تنمية الأقاليم الصحراوية إداريا وماليا، وكذا كيفية تدبير ملف الصحراء حتى لا تصاب هذه المؤسسات والدولة بأضرار تتعلق بمصداقيتها وتجعلها أمام المحك في ظل تطور الوعي لدى النخب الصحراوية المحلية وظهور فئة هامة تقبل التغيير في ظل الوحدة والإستقرار.

لا تزال تنتظر فرصتها للعمل على ترجمة أفكارها على الأرض ودون مواربة أو نفاق سياسي . ونظرا لما تكتسيه أهمية الترويج المغربي لنموذج المملكة المجتمعي الحديث الذي يؤسسه «محمد المغربي » سياق تطويري تحديثي ديمقراطي انفتاحي يؤمن بكرامة الفرد وحريته وبحل القضية الصحراوية ضمن مقاربة الحكم الذاتي. فإن النظام السياسي للبلاد لا يجب أن يحجبه ما يروج له عن المغرب من تطوير إمكاناته واعتماد المقاربة الحقوقية والإنمائية في مناطق الجنوب، عن ما تعيشه هذه الأقاليم الصحراوية من تحديات بين الفينة والأخرى، ارتبطت أحيانا بواجب الإنفتاح على وفود الزائرين للمنطقة من نشطاء دوليين ومسؤولين رسميين مهتمين بمجال حقوق الإنسان. وما يحمله ذلك في طياته من التزامات قد تحمل المغرب على القبول بصيغة رقابية معينة يظن أعداؤه أنها تمكن أن تتناسب مع الوضع القانوني للإقليم.

وفي هذا السياق يجب التفكير الجاد في خلق هيئة من ممثلي كامل القطاعات المتداخلة في ملف الصحراء ومنتدبين عن المؤسسة التشريعية يعهد إليها باليقظة والتتبع وتنسيق المبادرات ووضع الخطط القادرة على استباق التقارير والعمل على تطويق النوايا الخبيثة الموجهة للمغرب والمبيتة ضده من قبل الجيران الأعداء. أو الإنفصاليين والحد من تأثيرها وتكريس الفعالية في التعاطي مع المبادرات الأممية. وهذا لن يتحقق ما لم يعمل المغرب على بذل جهد كبير في تعزيز الثقة وتحقيق شروط التوازن المطلوب في تدبير ملف القضية الصحراوية ، عبر تثمين الطاقات المحلية وترشيد قدراتها لما يخدم مصلحة البناء لا الهدم . ويعزز صورة البلد القادر على إحتضان صحرائه بأرضها وسكانها وتشجيع فرص الإستثمار في بناء الإنسان من خلال التعليم والتكوين المنتج وتطوير المهارات وتنويع المبادرات التنموية الخلاقة التي تتناسب مع الخصوصية المحلية.

لقد آن الأوان لكي يدرك المسؤولون عن تدبير ملف القضية الصحراوية بأن المغرب يجب أن يوفر إلى جانب جهوده الإنمائية القويمة بأقاليمه الجنوبية المسترجعة، إستيعابا تاما لآثار التحولات العميقة التي بدأت تعصف بالثوابت والتوازنات الإستراتيجية في العالم بشكل يجعلها تؤثر على السياسات الخارجية للدول وتدفعها لتجديد أساليب عملها لمسايرة المتغيرات . ومنها على الخصوص مشاكل الإستقرار الداخلي ورهانات النمو ومصاعب الإقتصاد ومقومات التنمية الداخلية، فضلا عن التحديات الخارجية المتمثلة في قضايا الإرهاب ومشاكل الحدود وتهريب المخدرات والإتجار في الأسلحة ومكافحة الهجرة غير الشرعية وجرائم الأنترنيت والتحكم في التقنية المعلوماتية.

إذا أراد كسب هذه القضية وطي ملفها الذي كلفه كثيرا والمغاربة إلى جانبه في ظل إصرار ملكه وتأكيده عبر إشارات تم إطلاقها من قبله في خطابات عدة، عن العزم الراسخ على المضي قدما في مسار بناء الصحراء، وتهيئ الشروط المناسبة لإنجاح مشروع الجهوية المتقدمة، إنطلاقا من جهة الصحراء، والتي ستؤسس للنموذج التنموي الذي يرغب الصحراويون أنفسهم في خلقه وتحصين مكتسباتهم المحققة، وقطع الصلة مع الممارسات التي ترهن العملية التنموية. كما رصدها التقرير الأخير للمجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي عبره، ودعم الخطوات المهمة التي يبذلها ملك البلاد في اتجاه ترسيخ الصورة الرائعة للتحولات الهادئة التي عرفتها المملكة في عهده . والتي ابرزت معالم النموذج المغربي الذي يسعى الكل «العربي والأمازيغي والصحراوي» كل هؤلاء يتعايشون داخله في إطار ما يمكن أن يبلغه إبداع الإنسان من آليات ديمقراطية التي توفر للجميع العيش الآمن والمستقر في ظل ما تشهده من تحولات عصفت بعدد من الأنظمة وتحمل أخرى على تلاقي العواصف للحفاظ على مقومات وحدتها الترابية والوطنية والإثنية ، والتي يحرص صاحب الجلالة على تجاوزها عبر الدعوة لرأب الصدع داخل المغرب في مشاكله الداخلية وتحصينه أمام الإنفصاليين ، والأعداء للوحدة الترابية وعبر تنويع علاقاته الدبلوماسية التي تطورت أخيرا في إتجاه دعم آسيا من خلال زيارته لروسيا والصين والهند المرتقبة ودول الخليج العربي لتأمين الدعم الكامل لموقفه من الصحراء المغربية، والمساندة اللوجستية والسياسية والمالية والإقتصادية له في ذلك، وإشارته للإنتقادات الواضحة لطبيعة العلاقات المغربية الأمريكية والأوربية المبنية على الإنتهازية والوصولية والتفكير في مصالحها الذاتية لا غير.

تعليقات (0)
اضافة تعليق