بقلم: د. محمد وراضي
حمل العدد 888 من مجلة “الأيام” الأسبوعية بتاريخ 5/11 مارس 2020م جدلا حادا بين المؤيدين لقليل من الربا وبين المعارضين للربا جملة وتفصيلا، بحيث إن الموضوع تناوله متدخلون هذه أسماؤهم: محمد بن الأزرق المنجري. ود. أحمد الريسوني. ومحمد نجيب بوليف. ومحمد عبد الوهاب رفيقي. ومحمد الفيزازي. وحسن الكتاني. مع التذكير بفتوى د. يوسف القرضاوي التي أجاز فيها شراء المغاربة للسكن بواسطة قرض ربوي. غير أن المجلس العلمي الأعلى المجتمع يوم 23 شتنبر 2006م، لم يحسم في الموضوع الذي أثار غضب أعضائه، بحجة أن المغرب لا يحتاج إلى من يفتيه في قضايا تخصه لوجود علماء نابغين مستقلين فيه، وإلى حد الآن، لم ينته المجلس العلمي إلى حل يتناسب مع الدين ويساير تجديده، نقصد إلى حل يبدو من هم وراءه غير تابعين لأي إفتاء صدر عن عالم مشرقي؟
ولن أتدخل هنا في مناقشة رأي كل طرف على حدة، لكنني أعلن صراحة بأنني لا أؤيد رأي أي متدخل في الموضوع، قدمه من قدمه باسم الباحث، أو باسم الشيخ، أو باسم الأستاذ، أو باسم مجرد عن أية صفة.
وربما يتجه الاهتمام إلى الشيخ الريسوني، والشيخ الكتاني، والشيخ الفيزازي، والشيخ القرضاوي، مع رفضي التام لمهاجمة الفقهاء المفتين المتقدمين، إذ أنني لا أرحب بمقولة الباحث محمد بن الأزرق المنجري: “ما ورثناه في باب الربا عن فقهائنا صخرة صماء تعوق الانطلاق الاقتصادي والانعتاق الاجتماعي”؟ لأن هذه المقولة تأييد غير معلن لنهج الدولة العلمانية المغربية في تسيير شؤون أمتنا الإسلامية. بينما اجتهادات السلفيين المتقدمين، لم تكن بالنسبة إلى عصورهم عائقا في وجه التقدم، يكفيهم فخرا بأنهم تولوا بكل إخلاص وبكل صدق، مد عصورهم بالفتاوي المتعلقة بكافة النوازل المثارة. بينما مجتهدو حاضرنا، مكبلون جامدون تابعون مجرورن ماديا على وجه الخصوص.
وهذا التعليق مني أريد به إبراز اختيار النظام المغربي للعلمانية، ونحن عانينا ظلم هذه العلمانية الاستعمارية منذ توقيع عقد الحماية عام 1912م. وهو نفس الظلم الذي نعانيه بصورة مخالفة منذ حصولنا على مسمى الاستقلال والحرية؟؟؟
وبعبارة واضحة، تم إلغاء النظام الإسلامي وإحلال النظام العلماني محله، بفعل الاستعمار، ثم بفعل حكامنا الذين لم يخرجوا عن نهجه في الحكم، أي عن اعتماد نفس فلسفته التي تختصر في الفصل بين الدين والدولة، أو إن شئنا قلنا: بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية؟ فصح أن من تولوا السلطة بعد الاستعمار في العالمين: العربي والإسلامي تبنوا نفس الفلسفة ونفس النهج، غير أن زعيمين سياسيين عندنا كانا وراء تنصيص أول دستور مغربي على أن قائد البلاد هو ملك، وهو في نفس الوقت أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين. أحدهما علال الفاسي، الذي يفتخر أتباع حزبه بهذه المكرمة التي أداها زعيمه للمغرب، حتى لا يتعرض لأي غزو فكري لا ديني؟ ونفس ما افتخر به حزب سيدي علال، افتخر به من عضوا بالنواجد على زمام حزب الحركة الشعبية الديمقراطية من قائدها المباشر د.عبد الكريم الخطيب، هذا الرجل الذي نعرفه عن قرب معرفة جيدة. وبهذه المناسبة أخبر عامة السياسيين والمفكرين والمثقفين عندنا بأنني من فاوضته على مدى أزيد من أسبوع، لفائدة التحاق بنكيران وأتباعه بحزبه. فكان أن قبل طلبي بشروط، بعثت بها مكتوبة إلى بنكيران في منزله.
وبما أن المغرب دولة علمانية باختيار حكامها لا باختيار الأمة، فإن اختيارها هذا لم يقم في وجهه السلفيون المخضرمون للأسف الشديد، أقصد بالتحديد من صرحوا علانية بأنهم سلفيون مزودون بسلاحين على عهد الاستعمار: سلاح محاربة هذا الاستعمار، مما جعل منهم أطرافا مؤسسين للحركة الوطنية الأولى. وسلاح العمل للقضاء على الفكر الظلامي الديني ممثلا في القبورية والطرقية وكافة أنواع الشعوذة، على اعتبار أنها عائقة للنهضة المغربية الحديثة.
إلا أن حلاوة التمتع بالدنيوي، حمل جلهم على الاندماج في نظام لم تختره الأمة. فعلال الفاسي الذي ادعى أن جده يتكلم من قبره، مواكب تماما للحكام العلويين بخصوص علاقتهم ببدع الأضرحة ومشايخ الطرق الصوفية. وهذا ما سوف نوضحه في الحلقة الموالية من هذه المقالة.