بقلم: نور الدين ودي
من المعلوم أن العطور الفرنسية ، فاقت شهرتها مع كثرة ماركاتها ، وكل مسافر إلا ويوصى بحملِه معه ؛ من الهدايا أطيب الروائح وازكاها ، ولا يدري أغلب الناس السبب الرئيسى فى اختراعها . من المعلوم أن الأوروبيين في العصور الوسطى إلى نهاية القرن 19 ، لايغتسلون ولا يستحمون ولا يستبرئون ولا يتنظفون ولا يتطهرون ؛ أجسامهم نتنة ، وروائحهم كريهة ، وكانت هذه القذارة سببا في تفشي الأمراض ، حيث أن مرض الطاعون حصد نصفهم أو ثلثهم بين فترة وأخرى ، وكانت أكبر المدن الأوروبية كـ”باريس” و”لندن” لا يصل تعداد سكانها 30 أو 40 ألفا بأقصى التقديرات ، بينما كانت المدن الإسلامية تتعدى حاجز المليون !!! ، والذى كان الاوروبي يعتقده أنذاك ، أن الإستحمام يسبب أضرارا بدنية وصحية ، وأن الأطفال الذين يستعملون الماء كثيرا ، تتعرض أجسادهم للهشاشة ، وكان أغلبهم يغتسل فقط في مناسبتين ؛ عند الزواج ، أو في حالة المرض ، ولا غسل عند الموت . هذه ليست نكتة أو مزحة ، بل حقيقة صدرت منذ سنوات طويلة في عدة مذكرات غربية و عربية ؛ مثل الكاتب “ساندور موراي” النمساوي ، الذى ولد فى بداية القرن 20 من عائلة بورجوازية ، وأصدر كتابا يؤرخ لتاريخ الوساخة فى أوروبا ، بل أيضا لتاريخ الوساخة فى عصره ، حين يعترف بأن الاعتقاد الذى كان سائدا فى أسرته الثرية ، هو أن الاغتسال الكثير يضر بالصحة ، يقول موراي فى كتابه “اعترافات بورجوازى”: إن الأوربيين كانوا يعتبرون أن الإستحمام كفر ” ، ووصف مبعوث روسيا القيصرية ؛ ملك فرنسا لويس الرابع عشر بقوله ؛ ” إن رائحته أقذر من رائحة الحيوان البرى “.. وكانت إحدى جواريه ، تنقع نفسها فى حوض من العطر حتى لا تشم رائحة الملك .
الروس أنفسهم وصفهم الرحالة أحمد بن فضلان البغدادي بقوله : ” أقذر خلق الله ؛ حيث إنهم لم يكونوا يستنجون من بول ولاغائط “، وكان القيصر الروسى “بيتر” يتبول على حائط القصر فى حضور الناس ، ففي عام 921 م ، خرجت من بغداد ، عاصمة النور والثقافة آنذاك ، بعثة دينية سياسية بتكليف من الخليفة العباسي ” المقتدر بالله ” إلى قلب القارة الآسيوية في مكان عُرف وقتها باسم ” أرض الصقالبة ” ؛ تلبية لطلب ملكهم في التعريف بالدّين الإسلامي ، علّه يجد إجابة للسؤال المثار وقتها ” كيف استطاع ذلك الدّين الآتي من قلب الصحراء أن يُكوِّن تلك الإمبراطورية الضخمة التي لم تضاهها سوى إمبراطورية الإسكندر المقدوني !!!؟ ” ، وفي بغداد كان أعضاء البعثة ، يرتبون أوراقهم بين فقيه ورجل دولة ومؤرخ ، وفي مقدمتهم ، كان الرجل الموسوعي الرحالة أحمد بن فضلان البغدادي ، ويتحدَّث عن ملكهم فيقول : “ولا ينزل عن سريره ، فإذا أراد قضاء حاجة قضاها في طشت -الكلاس – ، وإذا أراد الركوب قَدَّمُوا دابَّته إلى السرير فركبها منه ، وإذا أراد النزول قَدَّم دابَّته حتى يكون نزوله عليه ”
و.يقول العلامة محمد تقى الدين الهلالى الحسيني المغربي ولادة ووفاة ، فى ترجمته لكتاب “مدنية المسلمين بإسبانيا” للعالم الأمريكى الشهير “جوزيف ماك كيب ” فى معرض كلامه عن إيزابيلا ملكة قشتالة : ” الملكة إيزابيلا الأولى، والتى قتلت المسلمين فى الأندلس ، لم تستحم فى حياتها إلا مرتين ، وقامت بتدمير الحمامات الأندلسية ، ومنع الملك فيليب II الإسبانى ؛ الاستحمام مطلقا فى بلاده ، وابنته إيزابيل II ؛ أقسمت أن لا تقوم بتغيير ملابسها الداخلية حتى الإنتهاء من حصار إحدى المدن الأندلسية ، والذى استمر ثلاث سنوات ؛ وماتت بسبب ذلك … هذا عن الملوك ، ناهيك عن العامة منهم ، وقد قيل ؛ إن الهنود الحُمر يضعون الورود فى أُنوفِهم عند لقائهم بالغزاة الأوروبيين بسبب رائحتهم ؛ التى لا تطاق ، يقول المؤرخ الفرنسى “دريبار” : نحن الأوروبيون مدينون للعرب بالحصول على أسباب الرفاهية فى حياتنا العامة ، فالمسلمون علَّمونا كيف نحافظ على نظافة أجسادنا ، فإنهم كانوا عكس الأوروبيين ، الذين لا يغيرون ثيابهم إلا بعد أن تتسخ وتفوح منها روائح كريهة، فقد بدأنا نقلدهم فى خلع ثيابنا وغسلِها ، وكان المسلمون يلبسون الملابس النظيفة الزاهية حتى أن بعضهم ، كان يزينها بالأحجار الكريمة كالزمرد والياقوت والمرجان، وقد تذكرت أحكامنا الفقهية واخلاقنا الشرعية، الملزمة في ديننا من الطهارة الشاملة وسنن الفطرة ؛ من الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وتقليم الأظافر ، ونتف الإبط ، ويكفيني فخرا قول النبي ص ” أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمساً ، هل يُبْقي من درنه شيئاً ، قالوا : لا يبقي من درنه شيئاً قال : كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ” ، وأختمها بقوله “ص” ؛ “حبب إلي من الدنيا النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ” فلا حاجة لنا بالعطور الفرنسية ، ويكفينا نعمة في عطورنا الطيبة في ديننا ، ويغنينا فخرا ان نساءنا الجميلات أكثرهن طهارة وازكى رائحة