نظرية نشأة الكون: بين الانفـجار والفتـق مقاربة مفاهيمية

بقلم: المهدي لكليب

تعتبر إشكالية الاصطلاح والمعنى من أكثر القضايا التي طرحت في تاريخ البشرية، ذلك أن انكب العديد من اللغويين واللسانيين على البحث والتنقيب في خبايا هذا العلم، لأن المعنى يدرك بالمصطلح، فحينما أقول لك لفظة بحر؛ ترسم في ذهنك صورة مياه زرقاء في مساحة شاسعة، ومن هنا جاء تعريف الجرجاني للمصطلح أنه:” اتفاق طائفة على وضع لفظ إزاء معنى معين… وقيل الاصطلاح: إخراج الشيء عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر لبيان المراد… وقيل لفظ معين بين قوم معينين.” أما فيلبر فعرفه بأنه:” عبارة عن بناء عقلي، فكري، مشتق من شيء معين، فهو بإيجاز الصورة الذهنية لشيء معين موجود في العالم الخارجي أو الداخلي(…) ولكي نبلغ هذا البناء العقلي المفهوم في اتصالاتنا يتم تعيين رمز له”.
لكن ليس دائما يكون اختيار المصطلحات موفقا وذلك يعود لعدة أسباب، فكما لا يخفى على أحد أن المصطلحات العلمية خاصة تنتج بلغات أجنبية وتترجم إلى العربية، وكي لا يفقد المصطلح العلمي معناه، يقتضينا أن نكون مطلعين اطلاعا واسعا على الألفاظ العلمية الواردة في المعاجم العربية وكذا في التراث العربي الإسلامي، فيجب إعادة النظر في الترجمة العلمية، فعندما تنقل بعض المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالعلوم التطبيقية والنظرية من لغة أصلية إلى لغة مستهدفة قد تبتعد عن المعنى المراد إيصاله، ذلك يفرض على المترجم العلمي أن يتوفر على مقومات لغوية وعلمية، فلا يمكن أن تكون الترجمة صحيحة المعنى إلا إذا كان المترجم ملما باللغتين -الأصلية والمستهدفة – إلماما تاما وعلى دراية شاملة بالمجال العلمي المترجم منه، كلما توفرت هذه الأشياء كلما كانت المصطلحات العلمية أكثر جودة؛ فمثلا المستشرق كيفورك ميناجيان ألح في رسالة له على أن يترجم المصطلح (PNEUMATIC) ب “رئوية” وهي ترجمة حرفية للكلمة، فعلى ما يبدو من رد المعجمي الدكتور مصطفي نظيف الذي بين أن جميع استعمالات المصطلحات المشتقة من لفظ (PNEUMA) في العلوم الطبيعية يلاحظ فيها معنى يُنسَب إلى الهواء والنفَس، لذلك وجب ترجمة الكلمة ب (الهوائية) لا الرئوية وكما أن الترجمة الحرفية لمصطلح (RODIUM BOMB) هو (قنبلة راديوم)، لكنها ترجمت بالمعنى إلى (مصدر إشعاعي راديومي) وكذلك في مجال علوم الكهرباء ترجمت كلمة (RESISTANCE) إلى كلمة (مقاومة)، فهل مقاومة التيار الكهربائي كمقاومة المستعمر؟
ولكن بالرغم من إشكالية الترجمة والأخطاء التي يقع فيها المترجمون، إلا أنه ليس السبب الوحيد في ابتعاد المصطلح عن معناه، فقد يكون أيضا من أبرز الأسباب التقيد بالمصطلحات التي تستعمل بكثرة وعدم إحياء التراث اللغوي الموجود في العديد من المصادر” وهكذا فكثير من المصطلحات العلمية القديمة التي تحتاج إليها عملية التسمية ترد في كتب التراث العلمي التي تتم ما جاء في المعجمات وكتب اللغة في هذا الميدان” كما يمكننا اللجوء إلى القرآن الكريم باعتباره أكثر المصادر اللغوية غنى.
فعلى ضوء كل هذا نحن بصدد معالجة إشكالية الاصطلاح والمعنى في تسمية نظرية الانفجار العظيم باعتبارها من أقوى النظريات المفسرة لنشأة الكون، ويعود تأسيسها للعالمين الروسي ألكسندر فريدمان والبلجيكي جورج لوماتر وقد اعتمد في ذلك على (نظرية النسبية) لإنشتاين، فقد تمكن فريدمان من حل معادلاتها سنة 1922، واستنادا لهذا وضع لوماتر نظرية تمدد الكون سنة 1927. وقد لقيت استحسانا كبيرا في الأوساط العلمية بحيث قام عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل بدعمها حين” أكد أن هناك مجرات أخرى تتباعد بسرعة متناسبة مع المسافة الفاصلة بيننا وبينها”. فالكون حسب هذه النظرية كان منكمشا في نقطة واحدة في حالة حارة شديدة الكثافة فتمدد” وأن “الكون كان يوما جزءا واحدا فبعض التقديرات الحديثة تقدر حدوث تلك اللحظة قبل 13.8 مليار سنة، والذي يعتبر عمر الكون” فكما نلاحظ أن هذه النظرية تفسر نشأة الكون وتمدده وحسب قانون هابل فالكون لا زال يتوسع ويتمدد ومن هنا استمدت هذه النظرية قوتها وأصبحت أول نظرية تفسر نشأة الكون، وبالرجوع إلى مراحل النظرية فالكون كان عبارة عن كثافة طاقية ذات درجات حرارة عالية وضغوط هائلة فتمدد وبرد بسرعة فائقة وخلال مدة: (37s-^10=t) من التمدد تسبب ذلك في” تحول طوري في تضخم الكون ونموه نموا أُسِّيًّا” .
ولكي نربط هذا المعنى بمصطلحه سنفتح صفحات المعاجم اللغوية لنتعرف على التسمية التي تتكون من كلمتين (انفجار – عظيم) المترجمتين من الإنجليزية، فالاصطلاح الأصل هو bang – big لذلك قبل اللجوء إلى المعاجم العربية لمعرفة معنى هذا الاصطلاح سنقوم أولا بمعرفة معناها في اللغة الأصل-الإنجليزية -فكلمة big تعني العالي والصاخب والكبير والهائل أما كلمة bang فتعني الدوي وصوت الانفجار والخبطة والارتطام وإذا جمعنا بين الكلمتين فقد تعنيان الانفجار الصاخب أو الانفجار العالي أو الانفجار ذو الصوت العالي… وكي نتحقق من صحة الترجمة للعربية سنذهب للمعاجم العربية كي نبحث عن معنى الكلمتين؛ فكلمة انفجار هي” مصدر انفجر، انفجارا، فهو متفجر، والمفعول منفجر عليه… وانفجارا تعني اهتزازا صدر عنه صوت وتفرقع، فعندما نقول حدث انفجار في عجلة سيارته؛ أي وقع ضغط أدى إلى اهتزاز فصدر عنه دوي صوت شديد. وأعلن عن انفجار قنبلة في الأراضي المحتلة؛ أي عن تفرقعها فأحدثت صوتا مدويا… وأثار انفجار غضبه كل الحاضرين، أي أثار ضجة وصياحا”. أما كلمة عظيم في اللغة العربية فتعني الكبير والقوي والشامخ، فهي صفة مشبهة؛ أي هائل وفخم وبتركيب الكلمتين سنجد تقريبا نفس المعنى المراد إيصاله في اللغة الأصل وهو انفجار عال أو هائل مصحوب بأصوات، إذن هل فعلا الاصطلاح يوافق معنى النظرية؟ وإذا كان عكس ذلك، فـأين يوجد الخلل؟ هل من الترجمة من الإنجليزية إلى العربية، أم أن التسمية فاسدة من الأصل؟
بعد اطلاعنا على معنى النظرية والذي يقوم أساسا على التمدد والتوسع، فقد نعرف لا محالة أن هناك تناقضا واضحا بين التسمية ومعناها، فالمنطق يفرض نفسه ويرفض رفضا جازما أن يكون التمدد والتوسع في نظام وانتظام يدل على انفجار مصحوب بأصوات عالية وهائلة، وبالرجوع إلى أطوار نشأة الكون قد يكون فعلا حدث انفجار في اللحظة (0=t) لكن هذا لا يعني أنه بإمكاننا تسمية النظرية من خلال أقصر مرحلة فيها، فهناك مصطلحات أخرى شاملة وبليغة أوسع من هذه الكلمة، فيجب أن نقر أن فساد اللغة من فساد العلم والفكر. وهذا ما نبه إليه ابن خلدون في مقدمته سنة 707 هجرية من فساد المعاني المتعلقة بالألفاظ، بهذا فهو تكلم عن قلب المفاهيم والمعاني في عصره، وأنه رأى الفساد يطال اللغة ليمتد إلى باقي العلوم لأن” اللغة هي أساس العلم والفكر” فكما لاحظنا من خلال تحليل التسمية أن الترجمة كانت نوعا ما حرفية، لكن هذا لا يعني أنها كانت ترجمة فاسدة لأن اصطلاح bang –big في الإنجليزية يدل أيضا على نفس معنى الانفجار العظيم لذلك فالسبب وراء هذا الاصطلاح راجع لأصل التسمية، فأول من أطلق هذه التسمية عن هذه النظرية كان العالِم فرويد هويل عام 1949 ومن العجيب أنه كان من أكبر معارضي هذه النظرية حيث كان من أنصار نظرية الكون الساكن ذلك أن” ركز هويل على التباين ما بين نظرية الحالة الساكنة والفرضية التي تقول أن كل المادة في الكون نشأت في انفجار كبير واحد في لحظة معينة من الماضي السحيق، وهي فكرة وجدها خالية من الصحة وغير علمية على حد قوله”. حينها ذهب الكثير من متتبعي الشأن العلمي إلى ان هويل استخدم هذا المصطلح كي يسخر من النظرية، لكن كراج أكد” أنه لم يستخدم هذا المصطلح بشكل ساخر؛ بل إنه اعتقد أنه وصف مناسب لهذه الفكرة” فكيف لنظرية بهذه القوة لا من حيث الملاحظة والتجريب أن تستمد تسميتها من أحد أكبر معارضيها.
إذن يجب استبدال هذا الاصطلاح بآخر أكثر تحقيقا وعمقا، فمن بين أنواع التسمية؛ التسمية بالمعنى، وهي أبلغها وأدقها، لذلك يجب ربط معنى النظرية بأحد المصلحات المطابقة له، فكما بينا فساد مصطلح الانفجار بأنه فترة قصيرة من النظرية؛ يمكن أن نفترض اسما آخر كالتمدد مثلا لأنه كما نعرف أن معنى النظرية له علاقة بالتمدد والتوسع، لكن كما أن الاصطلاح الأول – انفجار- يبين المرحلة الأولى من نشأة الكون، فالثاني – تمدد – يبين ما بعد الانفجار لأن مرحلة التوسع لم تبدأ إلا بعد اللحظة (0=t) لذلك وجب علينا النقيب عن مصطلح آخر يجمع بين المرحلتين؛ أي الانفجار والتمدد، وبه وجب اللجوء إلى كتب التراث العربي والإسلامي وبالتحديد القرآن الكريم، لأنه في طريق بحثنا وجدنا مصطلحا علميا بليغا دقيقا قد يضع حلا لهذه الإشكالية، فقد قال الله تعالى:” أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ”. 30، الأنبياء.
وهذه الآية تعني أنه: ” كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصقا متراكما بعضا فوق بعض في ابتداء الأمر ففتق هذه من هذه، فجعل السماوات سبعا والأرض سبعا وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء” واعتمادا على هذا التفسير فإن معنى هذه الآية مطابق إلى حد ما لمعنى النظرية، والكلمة المفتاح في هذه الآية هي الفتق، فماذا تعني هذه الكلمة؟
فتق الشيء أي شقه وفَتْق الثوب؛ فصل النسيج أو خياطته، وفَتَق الكلام أي قومه ووسعه فمن الواضح والجلي أن مصطلح الفتق يعتبر موافقا بشكل كبير للمعنى المقصود من نظرية لوماتر، فالفتق يقصد به التوسع من أوله والاستمرار في ذلك عبر الزمن، فهو يجمع بين جميع مراحل التوسع والتمدد فبغض النظر عن الإعجاز اللغوي الواضح في الآية، فالله تعالى – باعتباره خالقا للكون- تحدث عن نشأته، كما قال في آية أخرى عن مفهوم التوسع والتمدد حيث قال تعالى: “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ”. 47، الذاريات.
فحسب تفسير ابن كثير” (إنا لموسعون) أي قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي”
وكلمة لموسعون تحيط بمفهوم التوسع من أوله وامتداده في الزمن فهي تعني وسعنا ونوسع وسنوسع، لذلك فالله تعالى يورد المصطلحات عناية تامة، فلِمَ لا نربط المفاهيم والمصطلحات القرآنية بالعلوم الطبيعية والنظريات العلمية، خاصة إن كانت تتوافق فيما بينها؟ لذلك فنحن نقترح استبدال مصطلح (انفجار) ب (فتق)، أما عظيم فلا ضير أن نتركها كما هي كونها صفة، فالموصوف عظيما سواء كانا انفجارا أو تمددا أو فتقا، وبذلك فاقتراحنا أن تصبح التسمية نظرية: ” الفتق العظيم”، فالفتق كما بينا أنه يجمع بين التمدد والانفجار، والعظمة يقصد بها فخامة وكبر الفتق، باعتبارها أنشأت هذا الكون متناهي الكبر.

المصادر والمراجع:
– الشريف علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، مصر، 1306 هجرية، الطبعة 1.
– د مصطفى نظيف، مناقشة رأي الدكتور كيفورك ميناجيان، مجلة المجمع-القاهرة، العدد 26.
– د محمد مختار، مجمع اللغة والمصطلح، مجلة المجمع -القاهرة، العدد 53.
– د ممدوح محمد خسارة، علم المصطلح وطرائق وضع المصطلحات في العربية.
– موقع معجم المعاني الجامع.
– عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة، تحقيق مصطفى الشيخ مصطفى، ط 1.
– عدد أبريل 2013 عن مجلة ASTRONOMY AND GEOPHYSICS
– إسماعيل بن عمر بن كثير، تفسير القران العظيم، تفسير ابن كثير.
– FELBER، STANDARDIZATION OF TERMONOLOGY, 50, VIENNA 1985.
– PLANCK REVEALS AN ALMOST PERFECT UNIVERSE, PLANCK, ESA, 2013.
– WRIGHT E.L, 9 MAY 2009, WHAT IS THE EVIDENCE FOR THE BIG BANG .
– HAWKING, S, W, ELLIS, G.F.R. 1973, THE LARGE SCALE STRUCTURE OF SPACE TIME. CAMBRIDGE.
– GUTH, A, H, 1998, THE INFLATIONARY UNIVERSE, QUEST FOR A NEW THEORY OF COSMIC ORIGINS.
– OXFORD DICTIONARY .

تعليقات (0)
اضافة تعليق