أحداث قلعة السراغنة… أزمة ثقة واختلال في الوساطة
بقلم: الحسن لهمك
ما شهدته جماعة سيدي عيسى بن سليمان بإقليم قلعة السراغنة يظل أمراً مرفوضاً ولا يمكن تبريره تحت أي ذريعة. فالتجمهر أو الاحتجاج، باعتباره وسيلة للتعبير وإيصال المطالب، يظل حقاً مشروعاً في إطار الممارسة الديمقراطية، غير أن هذا الحق يقترن أساساً بضرورة احترام النظام العام والاحتكام إلى القانون، بعيداً عن منطق العنف والانفلات.
غير أن التحول الذي عرفته هذه الأحداث، من تجمع احتجاجي إلى مواجهات مع القوة العمومية، يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا الانزلاق. كيف انتقلت بعض فئات المحتجين من التعبير السلمي إلى منطق المواجهة؟ وما العوامل التي ساهمت في تأجيج هذا الوضع؟
في هذا السياق، يبرز دور المجتمع المدني باعتباره حلقة وصل أساسية بين الدولة والمواطن، وصمام أمان يسهم في امتصاص التوترات الاجتماعية. فالجمعيات المدنية تضطلع بأدوار متعددة، تأطيرية وتوعوية وتنموية وحقوقية، بما يعزز قيم المواطنة ويرسخ ثقافة الحوار والوساطة، ويحد من احتمالات الانزلاق نحو العنف.
إن غياب هذا الدور الوسيط، أو ضعفه، يفتح المجال أمام انتشار المغالطات وتغذية الاحتقان، ما قد يحول الاحتجاجات إلى موجات غير متحكم فيها. وهو ما يجعل من الحاجة إلى تأهيل الفاعل المدني وتفعيل أدواره أمراً ملحاً، لضمان التوازن بين مطالب الساكنة واحترام القانون.
إلى جانب ذلك، يطرح غياب المؤسسات المنتخبة عن محيطها الاجتماعي إشكالاً حقيقياً، حيث يُلاحظ في كثير من الحالات تراجع التواصل مع المواطنين بعد الاستحقاقات الانتخابية، وانكفاء بعض المنتخبين على دوائر ضيقة تخدم مصالح محددة. هذا الوضع يفاقم شعور فئات من المواطنين بالتهميش وفقدان الثقة، ويغذي الإحساس بالغبن، ما قد يدفع إلى أشكال احتجاجية أكثر حدة.
كما أن أداء بعض الفاعلين الحزبيين لا يرقى إلى مستوى الأدوار التأطيرية المنتظرة، إذ يطغى منطق البحث عن المواقع والنفوذ على حساب التأطير السياسي الحقيقي، وهو ما ينعكس سلباً على جودة العمل السياسي ويضعف الثقة في المؤسسات التمثيلية.
إن ما وقع بسيدي عيسى بن سليمان لا يمكن اختزاله في كونه تعبيراً عن غضب ظرفي، بل هو مؤشر يستدعي إعادة النظر في أدوار مختلف الفاعلين، من مجتمع مدني وهيئات منتخبة وأحزاب سياسية. كما يفرض ضرورة إعادة الاعتبار لمنطق الوساطة، وتعزيز آليات الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يساهم في ترسيخ الثقة وتقوية الاستقرار.
في المقابل، تظل الدولة، باعتبارها الضامن للنظام العام، الجهة الوحيدة المخول لها قانوناً استعمال القوة في إطار الضوابط القانونية، بهدف حماية الحقوق وصون الأمن العام. غير أن تحقيق هذا التوازن يظل رهيناً بوجود مؤسسات قوية وفاعلين قادرين على تأطير المجتمع، بما يضمن معالجة الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة.

