مفهوم “الدرجة الصفر” في كتاب “الدرجة الصفر للكتابة” لرولان بارت

بقلم: عبداللطيف عسيسو

أحدث كتاب رولان بارت “الدرجة الصفر للكتابة” (1953) تحولاً جذرياً في المشهد النقدي المغربي والعربي ، حيث ألهم النقاد المغاربة للتحرر من الأدب الواقعي التقليدي والأدب الملتزم اجتماعياً. وقد قدم الكتاب مفهوم “الكتابة” (écriture) –وهو نمط شكلي مرتبط بسياق تاريخي ومتميز عن اللغة والأسلوب- مما ساعد الباحثين المغاربة على تبني “التجريب” في السرد العربي الحديث. وتشمل أبرز التأثيرات على المشهد النقدي المغربي في ما يلي:

إعطاء الأولوية لـ “الكتابة” على “المضمون“،وظّف نقاد مثل محمد برادة أفكار بارت للقول بأن الأدب العربي الحديث يجب أن يمنح الأولوية لفعل “الكتابة” ذاته بدلاً من مجرد المحاكاة التصويرية للواقع المعيش؛ مما أضفى شرعية على النصوص الطليعية التي تحدت البنيات السردية التقليدية.

نقد الواقعية الاشتراكية ،على غرار معارضة بارت لمطالب جان بول سارتر بضرورة الالتزام الاجتماعي الصارم في الأدب، استخدم النقاد المغاربة هذه الأفكار لمساءلة القواعد الأيديولوجية الجامدة التي هيمنت على النقد الأدبي في المغرب العربي بعد الاستقلال. التحولات البنيوية والسيميائية: مهد الإطار النظري الأوسع لأعمال بارت الطريق أمام مثقفين مغاربة، مثل عبد الكبير الخطيبي وسعيد يقطين، لتبني المقاربات البنيوية والسيميائية، مما أحدث تغييراً في طرق تحليل الرواية العربية وشعرية السرد في الأوساط الأكاديمية. الشكل “المحايد” أو “الأبيض”: لاقى حلم بارت بأسلوب كتابة محايدة وشفافة صدىً واسعاً لدى المؤلفين المغاربة الذين يتعاملون مع قضايا تعدد اللغات والتهجين الثقافي، حيث وفر لهم إطاراً للتعبير ،يتحرر من قيود القوالب الاستعمارية أو التقليدية الجامدة. سنجد فيما بعد روايات مغربية محددة تأثرت بهذا التحول النقدي وسنرى لاحقا كيف ساهمت أعمال بارت اللاحقة (مثل كتابS/Z) في تشكيل السيميائيات في شمال أفريقيا مما ادى الى ترجمة بعض أعمال بارت إلى اللغة العربية.

الدرجة الصفر للكتابة.

هل يمكن للكتابة أن تكون محايدة حقًا؟ يبدو السؤال بسيطًا، بل ساذجًا، ولكنه ظلّ يُؤرّق الأدب الحديث بإصرارٍ ملحوظ. فمن الرغبة في تجريد اللغة من الزخرفة إلى الطموح للقضاء على الأيديولوجيا، سعى الكُتّاب مرارًا وتكرارًا إلى شكلٍ من أشكال التعبير يُمكنه التحرر من عبء التاريخ. ولكن ماذا لو كان هذا المسعى مُضلِّلًا منذ البداية؟ ماذا لو أن محاولة إزالة الأيديولوجيا والأسلوب لا تُنتج إلا نوعًا آخر من الأيديولوجيا والأسلوب؟

يبرز مفهوم “الدرجة الصفر”، الذي طوّره رولان بارت، تحديدًا عند هذا التوتر. فبدلًا من أن يُشير إلى أصلٍ نقيٍّ للغة، يُشير إلى لحظةٍ تُواجه فيها الكتابة حدودها ، استحالة الإفلات من الشكل والتاريخ والدلالة. لفهم هذه الفكرة، يجب البدء ليس بالأدب، بل باللغويات، قبل المرور بجان بول سارتر والوصول إلى إعادة صياغة بارت الحاسمة للمشكلة.

الأصل اللغوي لمصطلح “الدرجة الصفر

نشأ مفهوم “الدرجة الصفر” في اللسانيات البنيوية، حيث يشير إلى شكل من أشكال الغياب الذي يحتفظ مع ذلك بوظيفة ضمن النظام. فالمورفيم الصفري، على سبيل المثال، لا يحمل علامة ظاهرة، ومع ذلك فإن غيابه ذو دلالة. فما لم يُعبَّر عنه يظل مشاركًا في البنية؛ إنه ليس لا شيء، بل هو الشيء نفسه.

تُعقِّد هذه الرؤية أي تضاد بسيط بين الحضور والغياب. ففي نظام العلامات، يمكن للغياب أن يعمل كعنصر دال. فما يبدو محايدًا أو غير مُعلَّم يظل مُشفَّرًا، ومُحدَّد الموقع، ولا يُفهم إلا في علاقته بمصطلحات أخرى. ولذلك، لا تُشير “الدرجة الصفر” إلى الفراغ، بل إلى حالة حدية اي ان النقطة التي تُختزل عندها العلامة إلى أدنى حد مع بقائها فعالة بنيويًا.

عندما ينتقل هذا المفهوم إلى النظرية الأدبية، فإنه يحمل معه مفارقته. ويصبح السؤال: هل يمكن للكتابة أن تقترب يومًا من هذا الحد الأدنى من العلامة، أم أن مجرد المحاولة تُولِّد حتمًا شكلًا جديدًا من التعبير؟

يرى جان بول سارتر أن الكتابة في جوهرها فعل تواصل. فاللغة وسيلة لنقل المعنى، ويتحمل الكاتب مسؤولية أخلاقية لاستخدامها في سبيل الوضوح والتأثير. وفي هذا السياق، يتميز النثر عن غيره من الفنون بعلاقته المباشرة بالمعنى، فالكلمات تحمل دلالات، ولذا يجب استخدامها بمسؤولية.

يعكس إعجاب سارتر بنوع معين من النثر المحايد – ما يسميه الكتابة البيضاء – هذا الالتزام. ففي أعمال مثل أعمال ألبير كامو، يُحدد أسلوبًا مُجردًا من الإسهاب البلاغي، حيث تبدو اللغة شفافة، شبه غير مرئية. يُقلل هذا النثر من التداخل بين النية والتواصل، مما يسمح للمعنى بالمرور بفورية ظاهرة.

الحياد، بهذا المعنى، ليس فشلًا بل إنجازًا. فهو يُشير إلى ضبط النفس، والصدق، والجدية الأخلاقية. بتقليل الزخرفة الأسلوبية، يُفسح الكاتب المجال أمام الوظيفة الأخلاقية للأدب. ويبقى المثال الأعلى هو الشفافية اي اللغة كنافذة واضحة على العالم.

ابعاد الكتابة عند رولان بارت.

يتحدى بارت هذا النموذج بإدخال مصطلح ثالث يُزعزع وضوح سارتر الظاهر. فإلى جانب اللغة كنظام اجتماعي والأسلوب كتعبير فردي، يقترح الكتابة كبعد متميز. فالكتابة، بهذا المعنى، ليست مُعطاة خالصة ولا مُختارة خالصة؛ إنها طريقة تدوين متجذرة في السياق التاريخي.

في مقدمة كتابه “الدرجة الصفر للكتابة”، يؤكد بارت أن للشكل الأدبي دلالة تتجاوز كلاً من المضمون والأسلوب. فالكتابة “يجب أن تدل على شيء آخر غير مضمونها وشكلها الفردي”، مشيرًا إلى بُعد يُعرّف الأدب كمؤسسة (بارت، 1953/1968). ويبقى هذا البُعد وثيق الصلة بالتاريخ. فحتى عندما يبدو أنه يتجاوز الظروف التاريخية، فإنه يظل يحمل بصمتها.يُغيّر هذا التحوّل جوهر المشكلة تمامًا. فالكتابة لم تعد وسيلة شفافة، بل أصبحت مصدرًا للتوتر. إنها لا تنقل المعنى فحسب، بل تُنتجه من خلال شكلها نفسه.

الكتابة من الصفر.

في هذا السياق، تكتسب “الكتابة من الصفر” دلالة جديدة. فهي لم تعد تشير إلى حالة حياد

اترك رد