استبعاد التجمع من الأغلبية المقبلة..مناورة تفاوضية ام مخاطرة بأغلبية هشة؟

بقلم:     مصطفى المريني 

في السياسة، كما في زواج المصلحة، لا شيء يدوم بعد أن تُقضى الأوطار، وتُستنفد المآرب، ويتبدّل الهوى؛ فقد يصبح شريك الأمس غير مرغوب فيه، بينما يُبدي هو رغبة في استمرار العلاقة، فيلوذ شريكه السابق بالصمت، فلا يقطع أملا ولا يمنح جواباً، وكأنه يتعمد  إبقاء شريكه معلقا بين رجاء القبول وهاجس الرفض، في انتظار معرفة ما إذا كانت البدائل المتاحة قادرة على توفير أغلبية بديلة قبل الاعلان عن فك الارتباط بشريكه

ولعل وضع التجمع الوطني للأحرار في مشاورات تشكيل الأغلبية المقبلة يجسد هذه المفارقة ،فالحزب الذي قاد الحكومة السابقة وشارك في هندسة أغلبيتها، يجد نفسه أمام احتمال الاستبعاد من أغلبية يقود مشاوراتها حليفه السابق، الأصالة والمعاصرة.وهكذا، ينتقل من موقع من يفاوض على شروط المشاركة إلى موقع من ينتظر أن يقرر الآخرون إن كانوا سيمنحونه مكاناً حول طاولة الحكم.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان هذا التحول يعكس فقط تبدل موازين القوة بعد الانتخابات، أم أن التلويح باستبعاد التجمع يخفي حسابات تفاوضية لا تستبعد العودة إليه إذا تعثرت هندسة أغلبية بديلة. وهنا تحديداً تبدأ دلالة إبقاء الباب موارباً امامه. هل نحن  -إذن- أمام مناورة تفاوضية محسوبة، أم أمام مخاطرة ببناء أغلبية هشة؟

فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي جمعته بالتجمع الوطني للأحرار شراكة في تدبير الحكومة السابقة، يبدو أمام اختبار إعادة النظر في هذه العلاقة، في ظل مواقف داخل البام لا تتحمس لتجديدها. وفي المقابل، لا يظهر التجمع مستعداً للتخلي عن موقعه داخل الأغلبية، بل يظل متمسكاً بإمكانية المشاركة فيها، حتى إن تطلب الأمر إعادة ترتيب شروط الشراكة.

المفارقة أن البام لا يعلن بالضرورة نهاية العلاقة بصورة قاطعة؛ فترك الباب موارباً يمنحه هامشاً للمناورة، ويتيح له اختبار البدائل قبل اتخاذ القرار النهائي. إنه، لا يريد أن يظل مرتبطاً بالشريك القديم إذا كان في الإمكان العثور على شريك آخر أكثر ملاءمة لحساباته، لكنه لا يرغب أيضاً في إغلاق باب العودة قبل أن يتأكد من أن البديل موجود، وأن كلفة الاستعانة به ليست أعلى من كلفة استمرار الشراكة السابقة. أما التجمع الوطني للاحرار، فيجد نفسه في موقع الطرف الذي ينتظر أن تتضح النوايا، مع إدراكه أن الرغبة في استمرار العلاقة لا تكفي وحدها لضمانها.من هنا، لا ينبغي التعامل مع احتمال استبعاد التجمع باعتباره قراراً محسوماً، كما لا يصح اعتبار تمسكه بالمشاركة ضمانة لبقائه. فالمسألة تتجاوز تبادل التصريحات إلى اختبار واقعي لقدرة البام على تشكيل أغلبية بديلة. وإذا وجد البديل الذي يضمن له العدد والانسجام السياسي، فقد يمضي في فك الارتباط بالتجمع؛ أما إذا تعثرت البدائل، أو تبين أن ثمنها السياسي والتنظيمي مرتفع، فقد يصبح الرجوع إلى الشريك السابق خياراً عملياً، حتى لو جرى تسويقه باعتباره قراراً تفرضه الضرورة لا رغبةً في تجديد التحالف.                                          

وتمنح الحسابات البرلمانية هذا الاحتمال أبعاده الملموسة. فالأغلبية التي تجمع  مثلا الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية تبلغ 207 مقاعد، أي بفارق تسعة مقاعد فقط عن الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً. ويمكن أن يرتفع العدد إلى 236 مقعداً بإشراك  الحركة الشعبية. أما إشراك التجمع إلى جانب الأصالة والمعاصرة والاستقلال فيوفر 228 مقعداً. وهذه الأرقام لا تحسم الاختيار السياسي، لكنها تبين  أن الاستغناء عن التجمع ممكن حسابياً، مع ما يطرحه ذلك من أسئلة حول هامش الأمان البرلماني وقدرة المكونات الجديدة على تدبير اختلافاتها .                                        

ومع ذلك، فإن البديل لا يقاس بعدد المقاعد وحده. فقد ينجح البام في جمع أغلبية من دون التجمع، لكنه سيظل مطالباً بإثبات أنها ليست مجرد تركيبة عددية، بل ائتلاف قادر على الاتفاق حول الأولويات والبرنامج وتوزيع المسؤوليات. وفي المقابل، فإن العودة إلى التجمع قد توفر قاعدة برلمانية أوسع، لكنها تعيد إلى الواجهة سؤال الاستمرارية مع الحكومة السابقة، ومسؤولية الأحزاب التي شاركت في تدبيرها عن حصيلتها. فلا يكفي تغيير واجهة التحالف لتأكيد القطيعة مع المرحلة الماضية، كما لا يجوز تحميل التجمع وحده مسؤولية حصيلة شارك في صنعها شركاء آخرون.                                          

في تقديري، تكمن المفارقة في أن البام قد يريد التخلص من كلفة الشراكة السابقة، لكنه لا يستطيع اتخاذ قراره بمعزل عن كلفة البديل؛ فيما يراهن التجمع على أن حسابات الواقع قد تعيد فتح الباب الذي توحي بعض المواقف بإغلاقه. وبذلك، يصبح التلويح بالإقصاء جزءاً من ميزان التفاوض، قد يكون مدخلاً إلى إنهاء التحالف، وقد يكون وسيلة لفرض شروط جديدة على الشريك الذي لا يزال يرغب في البقاء                  

في النهاية، ليس السؤال ما إذا كان الحليفان قد فقدا شيئاً من الود السياسي، بل ما إذا كان أحدهما قادراً على الاستغناء عن الآخر من دون أن يدفع ثمناً أكبر مما كان يتوقع. فكما في زواج المصلحة، قد يكون البحث عن شريك جديد تعبيراً عن الرغبة في بداية مختلفة، لكن تعثر البدائل أو ارتفاع كلفة الانفصال قد يعيد الطرف إلى بيته الأول. وعندها، لن تكون العودة بالضرورة استعادة للثقة، بل تسويةً فرضتها الحسابات؛ وهو ما يجعل تشكيل الأغلبية المقبلة اختباراً ليس فقط لمن يختار الشركاء، بل لمن يستطيع تحمّل كلفة اختيار.      

اترك رد