التحديات الكبرى التي تواجه البلدان على المدى المنظور والمتوسط: العودة إلى دعم الاقتصاد الحقيقي.. وتوسع الإنفاق العمومي على السياسيات الاجتماعية والسلع العامة كالصحة والتعليم والبحث العلمي

بقلم: د. طارق ليساوي

على عكس كل التوقعات يبدو أن فيروس كورونا المستجد رحل من موطن ظهوره اأصلي الصين، ليجتاح مناطق أخرى و يحصد المزيد من الأرواح ويفرز متوالية أزمات لم يشهد لها التاريخ مثالا، ولعل الخطير في هذه الأزمة هو الاقامة الجبرية التي فرضت على نحو نصف سكان الأرض، وأيضا حالة العجز التي يشعر بها الإنسان وهو يواجه عدو غير مرئي يتربص به من كل جانب، ولعل الخطر الأكبر بنظري – بعيدا عن لغة الاقتصاد والمؤشرات- هو الأزمات النفسية والاجتماعية التي تترتب على حجر الملايين من البشر في ظروف عيش مغايرة، ولعل بداية ظهور حالات الإنتحار في العديد من البلدان هو بمثابة “جرس إنذار” لما هو قادم، وعلى أهل الاختصاص أن يولوا أهمية بالغة لهذا الجانب، فكثير من البشر أصبح كالطير في القفص، فحتى و إن توفر له الماء والقوت الكافي ، فإنه يفتقد لعنصر أهم و هو الحرية وحرية الاختيار، ويزداد الوضع سوءا في البلدان القائمة على عقلية القمع، وإستغلال الفرصة لإستعراض القوة على قطاعات واسعة من الشعب، وتصفية الحسابات وخاصة في عالمنا العربي، ومحاولة توظيف الأموال العمومية التي تم تحصيلها إما من دافعي الضرائب أو عبر الإحسان العمومي، وتوجيه بعضا منها للفئات الهشة واستغلال ذلك لمأرب أخرى  فالمرحلة بنظرنا صعبة للغاية، فقيام أغلب الحكومات بفرض  حجر صحي واقامة إجبارية على ملايين البشر، يقتضي منها توفير حزمة مساعدات للجميع و ليس فقط للفئات الفقيرة أو محدودة الدخل، فالأزمة ولدت تحديات جديدة ولعل أبرزها حالة التضخم و ارتفاع الأسعار ، وهو عنصر له تأثير على القدرة الشرائية لعموم الناس…

المرحلة تحتاج إلى كثير من الصبر و الحكمة و تغليب الصالح العام على المصالح الخاصة أو ضيقة الأفق، و التعامل بعقلية الطوارئ في هذا الظرف غير جائز، لأنها طوارئ صحية و من أجل حماية صحة الناس، و ليست طوارئ لسبب سياسي أو أمني، لذلك، توجب على السلطات العمومية توجيه العنصر البشري الذي يتولى إنجاز هذه السياسات على الأرض ان يأخذوا بعين الإعتبار هذا المعطى مع مختلف المواطنين، و الابتعاد عن الشطط في استعمال القوة، و تغليب منطق الإقناع و الحوار و المشاركة بدلا القوة و الاستعلاء و السلطوية… و موقفي هذا نابع من إدراكي لخطورة الموقف ففي البلدان الهشة اقتصاديا و إجتماعيا ، عليها الابتعاد قدر الامكان عن تقليد البلدان المتقدمة، و من ضمنها التجربة الصينية التي تعجب و تروق لأغلب الحكام المستبدين، أو المتطلعين للسيطرة على شعوبهم ، و هو حلم يراود كل حاكم بما في ذلك “ترامب” الذي يتمنى لو تتوفر له مثل الظروف المتاحة للقيادة الصينية، التي تحكم شعبها بالحديد و النار، و نظام سياسي شديد الضبط تستطيع من خلاله تقييد الحريات و تكميم الأفواه، و لعل هذا العنصر تحديدا هو الذي أسهم في تفشي الوباء، فنحن نرى كيف أن المعلومات على الرغم من مأساويتها تنساب بشكل تلقائي من قبل مختلف الحكومات الديمقراطية التي تحترم شعوبها وتخشى غضبها وهذا من محاسن الديموقراطية..

كما أن موقفنا هذا نابع من خصوصية الأزمة وحالة اللايقين التي أنتجتها، فلا أحد يستطيع الجزم بتاريخ نهاية هذا الوباء و السيطرة عليه تماما،لأجل ذلك على الحكومات و خاصة في البلدان الهشة، أن تراعي ذلك، وأن لا تراهن على أن الأزمة سوف تنتهي قريبا – وإن كنا نتمنى أن تزول اليوم قبل غدا-، كذلك لاينبغي المراهنة على دعم المنظمات الدولية أو الحكومات الغنية، فنحن في مرحلة الكل يحمل شعار”أنا و من بعدي الطوفان” وهو شعار بنظرنا خاطئ، بل ينبغي في هذا الظرف العصيب تعزيز التضامن الدولي، لكن العلاقات الدولية لا تقوم على الأماني، فاليوم الخطر يتهدد الجميع، و سلم الأولويات تغير تماما، فمختلف البلدان الان تبحث في مخزوناتها الاستراتيجة من المواد الأساسية الطبية و الغدائية ، فالغاية الأولى حفظ الارواح فنحن نعيش فترة قد تعيد بلدانا بأكملها إلى “حقبة المجاعات”…

لذلك، من اللازم دعم إنتاج الغداء وتوفير مختلف الوسائل التشجيعية للفلاحين وسكان الريف، الذين تم إهمالهم لعقود وإنحياز السياسات العمومية لسكان الحضر، هذه الظرفية الحرجة ينبغي إستغلال الأرض الصالحة للزراعة أفضل الاستغلال، والتوجه نحو زراعة الاراضي البور وتشجيع الاقتصاد الريفي، خاصة وأن السيطرة على انتشار الفيروس بأغلب الأرياف ممكنة بفعل ضعف الكثافة السكانية، وأيضا إنخفاض سكان الريف، وعلى السياسات العمومية في هذه الظرفية تشجيع السكان على العودة للأرياف و خاصة القوة العاملة التي كانت تشتغل بالمدن، فنحن في حاجة إلى دعم وتشجيع هجرة عكسية مدروسة ومخطط لها، بغاية توفير الغداء وهذا هو التحدي الأساسي الذي سيواجه أغلب البلدان والشعوب، خاصة إذا طالت هذه الأزمة…

وعلى العموم، إننا على قناعة تامة بأن العالم بعد “أزمة كورونا” سيكون مغاير تماما عما قبل، ليس فقط على مستوى الاقتصاد، بل على مستوى السياسات،إذ أن هذه الأزمة ستسقط سياسات الليبرالية المتحررة من كل القيود،الذي ساد بعد سقوط جدار برلين،  ومحاولة التراجع عن كل المكتسبات التي حققتها الطبقة العاملة والطبقة المتوسطة في إطار ما عرف ب”دولة الرفاه”، والتي ترسخت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، كمحاولة من البلدان الرأسمالية  لمواجهة الخطر الشيوعي..و مع إنتصار الغرب بقيادة أمريكا والاعتقاد الخاطئ ب”نهاية التاريخ” كما ظن البعض..تم التأسيس لمفهوم ال”دولة الحارسة للنظام المعولم” وإقبار “الدولة المتدخلة” وتغليب آلية السوق..

وتبعا لذلك، تمت خصخصة السلع العمومية، وخفض الإنفاق العمومي على القطاعات “الغير منتجة” ك”الصحة” و”التعليم”، ومن نتائج هذا التوجه الليبرالي المتوحش ، إرتفعت معدلات البطالة، وانخفضت الأجور، وتدهورت مستويات المعيشة، وتقلصت الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، و تفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين، و التأسيس لحكم “أوليغارشي” في أغلب الدول، و أصبحت عوائد النمو السنوي في الاقتصاد العالمي، و التي تقدر بنحو 80 تريليون دولار من نصيب القلة المهيمنة إقتصاديا و سياسيا، إن على المستوى القطري أو العالمي، و أصبحت قاعدة 20 – 80 هي السائدة ، أي 20 في المائة يملكون كل شيء وهم من يحكمون ويضعون السياسات و80 في المائة يعيشون على الفتات وهم عبيد لخدمة رفاهية ال 20 في المائة..وهذه أهم  ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية السائدة في غالبية الدول…

وعجز أغلب البلدان عن مواجهة جائحة كورونا، هو نتاج طبيعي  لهذا التوجه التنموي الفاسد، فإهمال الإنفاق على القطاع الصحي وإخضاعه لمنطق العرض والطلب، وتسويق الخدمات الصحية، قاد العالم لما نراه من عجز البنية الصحية لمعظم الدول عن مواجهة ظرف طارئ  لكن متوقع، فالعالم منذ نحو ثلاث عقود يعيش حالة من عدم الاستقرار بفعل التغيرات المناخية وتناسل الأوبئة ، ومخاطر الكوارث البيولوجية او النووية أو الطبيعية واردة جدا، و رأينا فيما قبل أحداث مشابهة ك ”حادثة تشرنوبيل” و” إعصار تسونامي” و”وباء سارس” و“الجمرة الخبيثة” …

فأن يشهد العالم نقصا حادا في أجهزة التنفس، والكمامات والأدوات الطبية، فذلك يعتبر كارثة بكل المقاييس، ونحن الأن نتحدث عن بلدان قوية ولها سياسات وإستراتيجيات طويلة المدى لمواجهة التهديدات الوبائية والكوارث الطبيعة أو الهجمات الإرهابية ومن ضمنها طبعا نشر فيروس قاتل..فالاحتجاج بأن “فيروس كورونا المستجد” قد شكل مفاجأة غير متوقعة لأغلب الحكومات في البلدان المتقدمة أو بلدان العالم الأول فذلك بحق تعبير عن هشاشة نظم الحكم و دخولها مرحلة العجز والوهن…

أما البلدان النامية والمتخلفة فالوضع أكثر سوءا، فالحكومات بهذه البلاد شبه غائبة، ويضاف إليها سيادة “فيروس” الفساد والاستبداد والطغيان وغياب الشفافية والمصداقية.. لذلك، فليس أمامنا إلا دعوة الأفراد إلى البقاء بالبيوت، وإتخاذ كافة التدابير الضرورية لإجتناب العدوى وتجنب نقلها للغير، كما ندعوا الحكومات العربية –تحديدا- إلى فتح المجال أمام قوى المجتمع المدني للمساهمة في مكافحة تفشي الوباء، والحد من أثاره على الأسر المحدودة أو منعدمة الدخل، وإتخاذ تدابير تساعد على بناء الثقة كإسترداد الأموال المنهوبة وإطلاق سراح المسجونين وفي مقدمتهم سجناء الرأي، حماية لهم من خطر تفشي الوباء، وتغليب منطق الكفاءة والدراية في إدارة الأزمة، بمعنى ترك الأمر لأهل الخبرة من أطباء وعلماء وخبراء، ولا أعني في القطاع الصحي فقط، بل في باقي القطاعات والتخصصات، فما أحوج بلداننا لخبرات علماء الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع وإدارة الأزمات، فالعودة للحق أفضل من الاستمرار في الخطأ، وأكبر خطأ في الظرف الراهن هو الاستمرار بنفس العقليات، في إدارة أزمة تشكل تهديدا للبشرية جمعاء…

وفي الختام، نتطلع للمولى عز وجل أن ينظر برحمته وعفوه لحال أغلب الشعوب المستضعفة ومنها شعوبنا العربية، فيكفيها فساد حكامها وفشل السياسات التنموية المتبعة منذ عقود ونهب ثرواتها..وتحية لكل الشرفاء من  الأطقم الطبية والصحية، ورجال الأمن وقوات الدفاع المدني وعناصر الجيش، وعمال النظافة، ورجال التعليم،  والتجار والفلاحين، وباقي القوى المنتجة التي رغم خطورة الموقف لازالت تعمل في الميدان وتواجه خطر الإصابة بالفيروس… ولعل من محاسن “أزمة كورونا” أنها أظهرت لنا الغث من السمين، والحسن من القبيح، والضروري من الحاجي، والوطني من الخائن، والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب، والمناضل من المرتزق، والعالم من الجاهل، والحق من الباطل، والخطأ من الصواب..ومن حسناتها أيضا، أنها كشفت عن كثير من “الرويبضة” الذين تصدروا المشهد بعالمنا العربي منذ عقود، وبمجرد ما دق ناقوس الخطر اختفوا في جحورهم…والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة..

اترك رد