قراءة أولية في كتاب “حوادث “، “Incidents” لرولان بارت

بقلم: عبداللطيف عسيسو 

يُعد كتاب حوادث Incidents”  

من أكثر أعمال رولان بارت ذات الطابع الشخصي والبوحي. بعيداً عن كتاباته النظرية والسيميائية الصارمة، يقدم بارت في هذا العمل شذرات تأملية ويوميات التقطها خلال رحلاته ،خاصة في المغرب، متأملاً في الحياة اليومية، والجسد، والذاكرة.

عمل بارت أستاذاً في جامعة محمد الخامس بالرباط خلال الفترة (1969–1970).علاقته بالمغرب لم تكن الإقامة للتدريس فقط، بل تردد على المغرب عدة مرات بين 1960 و1977، حيث زار مدنًا مثل طنجة ومراكش وأزمور والجديدة، وكان مهتماً بـ”فن العيش المغربي”. أثرت هذه التجربة بشكل ملحوظ على مسيرته الفكرية، كما أسهم حضوره في إرساء دعائم “الموجة البنيوية” في التعليم الجامعي...

ومن المفكرين والأدباء المغاربة الذين تأثروا بفكره ونقلوا أعماله إلى اللغة العربية نجد أبرزهم:

عبدالكبير الخطيبي: عالم الاجتماع والأديب المغربي الذي ربطته بـ “بارت” صداقة فكرية عميقة، وتأثر كل منهما بالآخر. وقدّم “بارت” لكتاب الخطيبي الشهير “الذاكرة الموشومة“.

د محمد برادة : استاذي لمادة الرواية بالسلك الثالث، دبلوم الدراسات المعمقة، محمد برادة، الناقد والروائي صاحب رواية “ لعبة النسيان ” الذي ساهم في نقل فكر “بارت” إلى الساحة العربية وترجم كتابه الأهم “الدرجة الصفر للكتابة” (لنا عودة للكتاب ).

عبد الفتاح كيليطو: الناقد والأكاديمي الذي استلهم النظريات البنيوية واللسانية للكاتب الفرنسي في قراءته للتراث العربي.

استاذي المرحوم لمادة النقد الأدبي بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس الدكتور حسن المنيعي ،الباحث والمفكر الذي وظف آراء “بارت” النقدية لتطوير دراسات المسرح والنقد في المغرب وعبد السلام بنعبد العالي المترجم والأكاديمي الذي عرّف القارئ العربي بنصوص “بارت” المركزية عبر ترجمته لـ “درس السميولوجيا ثم نجيب العوفي: الناقد البارز الذي وظف مقولات “بارت” في مقالاته لمساءلة النصوص السردية.

كتاب “حوادث رولان بارت الذي نحن بصدد قراءته الآن،للمفكر والناقد الفرنسي ، نُشر بعد وفاته، وهو ليس تقليدياً بفصول سردية مرتبة، بل يضم شذرات، ملاحظات يومية، ويوميات أسفار، مقسمة في طبعاته إلى قسمين أساسيين:

يوميات باريس (Soirées de Paris): كتبها عام 1979، وتعكس تأملات حميمة، ورغبات، وتفاصيل من حياته اليومي.

يوميات المغرب (Incidents / Le Maroc): ملاحظات ويوميات كتبها خلال فترات إقامته وزياراته للمغرب (بين عامي 1968 و1969)، وتصور لقاءاته، ومشاهداته، وتفاعلاته في مدينة طنجة ومراكش.

في كتاب حوادث incidents يسجل بارت ملاحظاته اليومية الدقيقة والمشاهدات العابرة في الشارع والمقاهي.

المغرب في قلب النص:

يتضمن الكتاب قسمًا شهيرًا يعكس انطباعاته وتجاربه الحسّية والثقافية خلال فترات إقامته في المغرب، وتحديداً في مدينة طنجة. الكتاب يعبر عن جوانب من حياة بارت الخاصة وتأملاته في الهوية والطفولة واللذة. شذرات طنجة، وتتميز بأسلوبه الأدبي المكثف والمرهف.

كل النصوص في هذا الكتاب شديدة التباين تُشكّل وحدة متماسكة لأن كل نص “يسعى إلى استيعاب اللحظة الراهنة”. ليست هذه دراسات نظرية أو نقدية بأي حال من الأحوال، بل إن بارت في كل نص من هذه النصوص غارق في اللحظة، يراقب ويتأمل ويسجل ردود أفعاله. هناك تدفق عفوي وحميمية، تتناوب بين الحنين والحسّية والكآبة، لكنها دائمًا ما تكون متناغمة مع لحظة وقوع الحدث: مع الحادثة نفسها.

هذه أعمال تدعو القارئ إلى التفاعل معها بحواسه الخمس، من خلال الكلمات والذاكرة – فهي ليست نصوصًا رسمية، بل تتخذ شكل مذكرات يومية وكتابات رحلات متقطعة يكتب فيها بارت عن الناس ويكتب عن الأماكن، لكنه لا يشعر بالراحة التامة مع أيٍّ منهما. تتخلل تأملاته مشاعر البهجة والملل والحزن، خالقةً إحساسًا فوريًا قد يكون مفاجئًا في بعض الأحيان. إنه لا يكتب للأجيال القادمة، بل يكتب لنفسه.

تفتتح المجموعة بمقال “نور الجنوب الغربي”، وهو مقال/مذكرات مؤثر، بمثابة تكريم شخصي لمنطقة جنوب غرب فرنسا. يكتب عن تجربة سفره جنوبًا من باريس. عند مروره بمدينة أنغوليم، يدرك أنه على “عتبة” أرض طفولته: “ إن جودة الضوء هي ما يميز المكان

.”. نبيل ورقيق في آن واحد؛ لا يعرف الرمادي ولا الكآبة (حتى في غياب الشمس)؛ إنه فضاء من نور، لا تحدده ألوان الأشياء المتغيرة… بقدر ما تحدده تلك الصفة التي تضفيها على الأرض، والتي تجعلها صالحة للسكن. لا أجد وصفًا آخر: إنه نور ساطع. عليك أن ترى هذا النور (أكاد أقول: عليك أن تسمعه، أن تسمع روعته الموسيقية). في الخريف، أروع فصول هذه الأرض، يكون الضوء سائلاً، متألقاً، ساحراً، فهو آخر ضوء جميل في السنة، يُنير ويُميز كل ما يلامسه…” ص 22

ثم ينتقل إلى عناصر الجنوب الغربي التي تُذكّره بجوانب مختلفة من طفولته، متأملاً في كيفية تأثير ذكريات الطفولة على طريقة تذكرنا للأماكن المرتبطة بتلك الفترة، فلكل من الأماكن الساحرة والأوقات العصيبة طابعها الخاص، وصفاتها المميزة.

كتاب “حوادث”، كما يوحي اسمه، يجسّد لحظات من إقامة طويلة في المغرب من خلال سلسلة من اللقاءات والتجارب المتفرقة. هنا، يُشكّل الناس المشهد، مع اهتمام خاص بالشباب. يُظهر بارت عينًا ثاقبة للتفاصيل (وهوسًا ما بالأيدي) في هذه الملاحظات العابرة، إلى جانب حساسية مرهفة للروائح والألوان. تنبض حيوية البلاد وظلالها وتناقضاتها بالحياة. كقارئ، تُدرك الضوء الساطع والظلال الداكنة – لا تُوصف، بل تستشعرها في الخلفية:

شاب أسود، يرتدي قميصًا بلون النعناع، ​​وبنطلونا أخضر لوزيًا، وجوارب برتقالية، وحذاءً أحمر ناعمًا للغاية.”

شاب وسيم، ذو مظهر ناضج، يرتدي بدلة رمادية أنيقة وسوارًا ذهبيًا، يداه نظيفتان وناعمتان، يدخن سجائر أولمبيك حمراء، ويحتسي الشاي، ويتحدث بجّدية بالغة (هل هو موظف حكومي؟ أم من أولئك الذين يتتبعون الملفات؟)، وتتساقط قطرة صغيرة من لُعابه على ركبته. يشير إليها رفيقه.”

بعض الشباب المغاربة – برفقة صديقاتهم – يتظاهرون بالتحدث بالإنجليزية بلكنة فرنسية مبالغ فيها (وسيلة لإخفاء حقيقة أنهم لن يتقنوا الّلكنة أبدًا، دون أن يفقدوا ماء الوجه.”

فن العيش في مراكش: حديث عابر من عربة مكشوفة إلى دراجة هوائية؛ سيجارة تُقدّم، لقاء مُرتّب، ثم تنعطف الدراجة عند الزاوية وتختفي ببطء.

.روح مراكش: ورود برية وسط أكوام النعناع

المقال الثالث، “في قصر لوبالاس الليلة…”، هو بمثابة تكريم لنادٍ باريسي في مسرح مُزخرف. يصف الكاتب تفاصيله الجمالية، وأجواءه، وروح المكان الذي يبدو فيه وكأنه يُفضّل أن يكون مُراقباً، يُشاهد الراقصين والتفاعلات الإنسانية بدلاً من المشاركة. وكما في المقال الأول، نجد مرة أخرى استحضاراً رائعاً للضوء، هذه المرة ضوء مُستوحى من داخل المبنى:

أليس الضوء هو مادة الفن الحديث اليوم، الفن اليومي؟ في المسارح العادية، ينبعث الضوء من بعيد، مُوجّهاً نحو خشبة المسرح. أما في قصر لو بالاس، فالمسرح بأكمله هو خشبة المسرح. يستحوذ الضوء على كل المساحة هناك، فينبض بالحياة ويتفاعل كأحد الممثلين ليزر ذكي، ذو عقل معقد وراقٍ، كعارضٍ لتماثيل تجريدية، يُنتج أشكالًا غامضة، بتغيرات مفاجئة: دوائر، مستطيلات، أشكال بيضاوية، خطوط، حبال، مجرّات، التواءات.” ص34

تختتم هذه المجموعة بـ”أمسيات في باريس”، وهي سلسلة من مذكرات شوبنهاور ، تبدأ بكلمات كتبها على ورقة قبل وفاته: “حسنًا، لقد نجونا بسلام”. بارت الذي يظهر في هذه المختارات مُرهَق، غالبًا ما يكون نفذ صبره مع زملائه، ومُنزعجًا من الضوضاء. شعورٌ بالوحدة وعدم الرضا يُهيمن على وصفه لعشاءاته مع الأصدقاء، وحزنه الدفين على والدته الحبيبة. في معظم الليالي، يجد نفسه عائدًا إلى منزله وحيدًا، بين اليأس والارتياح، ليستقر في فراشه بصحبة باسكال، أو شاتوبريان، أو دانتي، أو صدى بروست. ورغم أنه لا يزال يستمتع بمشاهدة الناس في الزحام ، إلا أنه لا يطيق الحشود أو المناسبات الاجتماعية. هذا العمل أثقل وأكثر عمقًا عاطفيًا، إذ يطغى عليه إحساس “اللحظة الراهنة” الحميم، بينما يدون بارت أفكاره على الورق، غير مدرك في كتابته، كما نحن في قراءته، أنه يقترب من نهاية حياته.

ولأنه يُوثّق تفاصيل الحياة اليومية العادية التي يتفاعل فيها المرء مع العالم، فثمة احتمالٌ لحدوث صدماتٍ تتردد أصداؤها عبر السنين بكثافةٍ جديدة في ضوء الأحداث (تلك الكلمة مجدداً) التي هزّت باريس في السنوات الأخيرة:

يمرُّ بائع مجلة شارلي إيبدو؛ وعلى الغلاف، بأسلوب المجلة السخيف، سلةٌ من رؤوسٍ خضراء تُشبه الخس: “فرنكان مقابل رأس كمبودي”؛ وفي تلك اللحظة بالذات، يندفع شابٌ كمبودي إلى المقهى، يرى الغلاف، ويبدو عليه الصدمة والقلق، فيشتري نسخة: رأس كمبودي!”.

لا يخلو الأمر من بعض التعليقات الاجتماعية، حتى في يومياتٍ شخصيةٍ للغاية، يبقى رولان بارت ذا صلةٍ دائمةٍ عبر السنين.

قراءة “حوادث” تجربةٌ حسيةٌ بحد ذاتها، انه كتاب للقراءة والاستمتاع، كما كان بارت نفسه يقصد

اترك رد