احتجاز الاحتلال الإسباني لطاقم «دوزيم» ومنعه من تغطية حقيقة أحداث سبتة يضع حرية الإعلام بإسبانيا والاتحاد الأوروبي تحت المساءلة
بقلم: سعد ناصر
لا تبدو واقعة احتجاز طاقم القناة المغربية الثانية «دوزيم» في سبتة السليبة من قبل سلطات الاحتلال الإسباني (الحرس المدني)، وتفتيشه واستنطاقه وتفتيش مركبته، قبل إخلاء سبيله، مجرد إجراء أمني عابر، خصوصاً أن الطاقم كان يؤدي مهمة صحفية لتغطية أحداث تحولت إلى محط اهتمام واسع من وسائل الإعلام الدولية.
فالواقعة تطرح، في جوهرها، سؤالاً يتجاوز القناة الثانية وطبيعة انتمائها إلى الإعلام العمومي المغربي، ليصل إلى حرية الصحافة وحق الصحفي في الوصول إلى مكان الحدث، وحق الجمهور في الوصول إلى الحقيقة والمعلومة.
وتزداد خطورة ما جرى عندما يكون الأمر مرتبطاً بأحداث سبتة التي استقطبت اهتماماً إعلامياً واسعاً، بالنظر إلى طبيعة الثغر وحساسية ما وقع فيه، وما رافق الأحداث من روايات وتأويلات متباينة، خصوصاً في ظل تحميل أوساط إسبانية المغرب مسؤولية ما جرى من انفلات لعشرات الآلاف من الأشخاص في اتجاه معبري سبتة ومليلية.
في مثل هذه الظروف تحديداً، تصبح الحاجة إلى الصحافة الميدانية أكثر إلحاحاً، لأن الوصول إلى مكان الحدث وتمكين الصحفيين من معاينة الوقائع ونقلها والتحقق منها يشكل جزءاً أساسياً من حق الرأي العام في المعرفة. أما إبعاد الصحافة عن موقع الحدث، أو توقيف طاقمها ومنعه من مواصلة مهمته، فيمكن أن يؤدي عملياً إلى التعتيم على الوقائع وترك المجال مفتوحاً أمام الروايات الأحادية والمعلومات غير الموثقة.
واللافت أن هذا القمع والتعتيم المزعومين يأتيان من دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، أي من دولة تنتمي إلى فضاء سياسي لطالما قدّم نفسه باعتباره مدافعاً عن حرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير واحترام المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
فالسلطات والمؤسسات الأوروبية لا تتردد في إعطاء الدروس وإصدار التقارير الدورية والسنوية التي ترصد من خلالها وضعية الحريات وحرية الصحافة وحقوق الصحفيين في مختلف دول العالم، بل إن هذه التقارير كثيراً ما تتحول إلى مرجع في تقييم الدول والحكم على مدى احترامها للمعايير الديمقراطية والحقوقية.
ومن حق الرأي العام، والحالة هذه، أن يتساءل: ألا ينبغي أن تخضع الممارسة نفسها داخل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي للمعايير ذاتها التي يُطلب من الآخرين احترامها؟

إن حرية الإعلام لا يمكن أن تكون مبدأً انتقائياً، ولا يمكن أن تتوقف عند حدود جنسية الصحفي أو هوية المؤسسة الإعلامية التي يعمل لحسابها. فالصحافي المغربي الذي يدخل منطقة لتغطية حدث عام لا يفقد حقه في ممارسة مهنته لمجرد أنه صحافي مغربي، كما أن انتماء المؤسسة إلى الإعلام العمومي لا ينبغي أن يكون ذريعة للتضييق عليها.
وإذا كانت للسلطات الإسبانية اعتبارات أمنية تبرر توقيف الطاقم أو تفتيشه، فمن حق الرأي العام أن يعرف هذه المبررات والأساس القانوني الذي استندت إليه، ومدى تناسب الإجراءات المتخذة مع المهمة الصحفية التي كان الطاقم بصدد القيام بها.
ذلك أن الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتحكم في المعلومة، والإجراءات الأمنية لا ينبغي أن تصبح أداة لتعطيل الصحافة أو حجب الوقائع.
وتكتسي الواقعة بعداً إضافياً بالنظر إلى أن أحداث سبتة المحتلة لم تكن شأناً محلياً محدوداً، بل أثارت اهتمام وسائل إعلام دولية، وأصبحت موضوعاً لنقاش سياسي وإعلامي واسع، بما في ذلك داخل إسبانيا نفسها. ولذلك فإن منع طاقم إعلامي من الوصول إلى الحدث وتغطيته يطرح، بالضرورة، سؤالاً حول من يملك حق رواية ما جرى، ومن يحدد المعلومات التي تصل إلى الرأي العام.
ومن هنا، فإن ما تعرض له طاقم «دوزيم» ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد خلاف عابر بين صحفيين وأجهزة أمنية، بل باعتباره واقعة تستحق المساءلة أمام الهيئات الأوروبية والدولية المعنية بحرية الصحافة وحرية التعبير وحقوق الإنسان.
فإذا كان الاتحاد الأوروبي يملك آليات وتقارير دورية لمراقبة وضعية الإعلام والحريات، فإن من الطبيعي أن تكون الممارسات التي قد تمس هذه الحقوق داخل إحدى دوله الأعضاء قابلة بدورها للرصد والنقاش والمساءلة، حتى لا تتحول المعايير الحقوقية إلى دروس تُعطى للآخرين بينما تُستثنى منها الممارسة داخل البيت الأوروبي.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بوضع الصحفيين فوق القانون، وإنما بالتأكيد على مبدأ بسيط: يجب أن يكون للصحافي الحق في أداء مهمته، وللجمهور الحق في معرفة الحقيقة، ما لم يوجد قيد قانوني واضح وضروري ومتناسب يبرر خلاف ذلك.
وما جرى في سبتة يضع هذا المبدأ أمام اختبار حقيقي، ويطرح على إسبانيا والاتحاد الأوروبي سؤالاً لا يتعلق بالمغرب وحده، وإنما بمصداقية الخطاب الأوروبي نفسه حول حرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير: هل هي مبادئ كونية تُطبق على الجميع، أم معايير تتغير بحسب المكان والجهة المعنية.
