صدرت حديثاً عن دار العلوي للنشر في تونس رواية «قابلة وأرحام» للكاتبة والشاعرة التونسية رجاء بن موسى، في عمل روائي يستعيد جانباً من الذاكرة الاجتماعية والشعبية للمدينة العتيقة بتونس، ويعيد إحياء حكايات النساء والرواة ضمن فضاء التراث العربي.
وتقدم الرواية تجربة سردية تقوم على توظيف المكان باعتباره عنصراً حياً في بناء الأحداث، من خلال استحضار أزقة المدينة وأسواقها و«دار جواد»، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد الشعبية، بما يجعل الجغرافيا التونسية جزءاً من الذاكرة التي تتحرك داخلها الشخصيات.
وتحتل شخصية «القابلة التقليدية» موقعاً محورياً في العمل، باعتبارها شاهدة على أسرار الأسر ومآسي النساء وتحولات المجتمع. ولا تظهر القابلة في الرواية بوصفها مجرد ممارسة لمهنة التوليد، وإنما باعتبارها ذاكرة حية تختزن حكايات النساء وتفاصيل العلاقات الأسرية والاجتماعية، وتكشف جوانب من الصراعات الطبقية والسلطة داخل الأسرة.
وتتوقف «قابلة وأرحام» عند عدد من القضايا الاجتماعية المرتبطة بوضع المرأة، من بينها زواج القاصرات والإجهاض المكتوم وأشكال التعسف التي قد تُمارس تحت غطاء الأعراف والتقاليد، مع استحضار التباين بين القانون والشرع والعرف في تونس خلال أربعينيات القرن الماضي.
كما تعتمد الرواية بناءً سردياً متعدد الأزمنة والأجيال، من خلال الربط بين «رسالة باريس» التي تعود إلى سنة 1956، و«دفتر الذكريات» الممتد بين عامي 1941 و1942، والزمن الحاضر، وهو ما يمنح الحكاية بعداً تشويقياً، ويتيح كشف الحقائق تدريجياً، خصوصاً ما يرتبط بالهوية والنسب والذاكرة العائلية.
وبهذا، تبدو «قابلة وأرحام» محاولة روائية لإعادة قراءة التاريخ الاجتماعي من زاوية ظلت طويلاً بعيدة عن متن الرواية التاريخية التقليدية، عبر منح أصوات النساء ومروياتهن مساحة أوسع في السرد.
وتشكل الرواية، من هذه الزاوية، إضافة إلى التجربة الروائية التونسية والعربية التي تنشغل بالتراث والذاكرة الجماعية، إذ لا تكتفي باستعادة الماضي وتوثيق بعض تفاصيله، بل تسعى إلى إعادة منحه صوتاً إنسانياً من خلال الحكايات التي حملتها النساء، وظلت في كثير من الأحيان خارج صفحات التاريخ المكتوب.
ويأتي صدور «قابلة وأرحام» في سياق يواصل فيه الأدب استعادة الذاكرة الشعبية بوصفها مصدراً لفهم التحولات الاجتماعية، وتجديد حضور الرواة والحكاية في الثقافة العربية، وهو ما يمنح العمل أبعاداً تتجاوز الحكاية الروائية إلى مساءلة الذاكرة الجماعية وما تخفيه من أصوات وتجارب إنسانية.
