بيار بورديو – الواقع الاجتماعي وهم يبنى ثقافيا

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: اسامة البحري
1 – العائلة مجرد كلمة:
انطلق بورديو في تحليله للعائلة من التعريف السائد الذي يتم تداوله في القانون او في بيانات المعهد الوطني الذي يصنف العائلة من خلال كلمات متداولة بيت منزل مقر . فهذه الكلمات كما يقول بورديو قد تظهر للعيان انها واقع اجتماعي و لكنها في الاصل تبنيه . و بناء على ذلك سيعرف بورديو العائلة على انها مجموعة افراد يرتبطون اما بالمصاهرة الزواج او بالنسب او استثناءا بالتبني و يعيشون تحت سقف واحد . و بعد ان تبنى بورديو تصريحات علماء الاثنولوجيا . سيضيف على ماسبق فكرة غاية في الاهمية و هي ان ما نعتبره واقعا اجتماعيا ما هو الا وهم يتم بناؤه من خلال المفردات التي نتلقاها من العالم الاجتماعي لتسمية هذا الواقع . و ان عددا من المجموعات التي يطلق عليها اسم عائلة لا علاقة لها بالتعريف السائد . لانه في اغلب الاوقات تكون العائلة النواتية اب و ام و اطفال في اغلب المجتمعات الحديثة اقلية . اذا قورنت بالعائلات المنفصلة . لذلك فما نسميه عائلة هو يخالف ما يوجد من بناء اجتماعي للعائلة في الواقع . و لذلك سيسلم بورديو قائلا اذا افترضنا ان العائلة ليست الا كلمة و مجرد بناء لفظي فان الامر يتطلب تحليل ما يقصد به الناس حين يتكلمون عن العائلة او ما يكتبون عنها بالمفرد او الجمع . بيار بورديو . اسباب عملية . ص 125 . و بناء على هذا سيعتمد بورديو على خلاصة مهمة من حقل الاثنلوجيا . و التي تتبنى فكرة ان العائلة هي واقع يتجاوز و يتعالى على افراده و ذلك من خلال تزودها بروح عامة و خاصة عن العالم . زد على ذلك ان العائلة هي مجال منفصل . لكن داخله مقدس ثالثا و اخيرا يعتبر البيت مكان مستقر لكن النظام الداخلي الخاص به هو عبارة عن روابط متشابكة بشكل مستمر . و بهذا سيخلص بورديو الى فكرة اساسية هي انه ان كانت حقا العائلة مجرد كلمة . فان الوقائع الاجتماعية اوهام جمعية ليس لها من اساس غير البناء الجمعي و ان العائلة نتاج مبدا بناء مبني اجتماعيا فهو مبدا مشترك الرؤية و التقسيم . فهو ناموس يجد في رؤوسنا جميعا لانه يترسخ خلال عملية التاسيس المجتمعي و الذي يتم في عالم هو نفسه منظم واقعيا طبقا لتقسيمه الى عائلات و مبدا البناء هذا هو من العناصر البينة في سماتها الاجتماعية . و حينما يتعلق الامر حسب بورديو بالعالم الاجتماعي فان الكلمات هي من تصنعه هذا الاشياء لانها حسبه تصنع اجماعا على وجود معنى موحد لهذه الاشياء يتوحد على شكل حس مشترك و يكون الاعتقاد فيه بديهيا من طرف الكل . و هنا انتقل بورديو مسلما بانه ان اردنا ان نقيس قوة هذه البداهة يمكننا الاعتماد على شهادة النساء اللاتي تم استجوابهم عن دورهم الرمزي داخل العائلة . و قد اعتمد بورديو على هذه الخلاصات التي جمعها من الاستجواب في كتابه الهيمنة الذكوورية بحيث ان الانثى لها دور رمزي محدد لها داخل العائلة و الاكثر من ذلك انها لا تستطيع الانفلات عن هذا الدور لانه يعاد انتاجه بتقسيم الاشياء المعقدة داخل البيت ك الكوزينة مؤنثة الثلاجة مؤنثة الناموسية مؤنثة . فهي رمزيا ستبدوا للجسد الموجهة له طبيعية و لكنها في الاصل تبدوا ثقافية . و دورها في ذلك هو الحفاظ على استقرار المجتمع و خاصة استقرار الادوار الاجتماعية . فحينما تسمع الانثى هذه الاشياء التي لها تركيبة لغوية مؤنثة تتماشلى مع بنية استعدادها الاجتماعي و الذي يتكون ايضا من تراكم من العبارات المستقاة من الحس المشترك فان مايقع بذلك هو تلاقي بين الهابيتوس و بين الحس العملي و بنية الحقل الاجتماعي وهكذا تتمايز الادوار . فمن خلال بنية معاني كلمة الناموسية و الثلاجة و الكوزينة يتحدد دور الانثى رمزيا على انه عمارة دار و ليست مولات الدار . اي انها محتولا يجب ان يشتغل من الداخل و ليس من ابخارج . و هنا نفهم جيدا ك يف ان الكلمات كما يقول بورديو تعطي للسلوك معنى اجتماعي . و في هذا الصدد يقول برديو . هكذا تكون العائلة فئة اجتماعية موضوعية . بناء يبني اساسا للعائلة كفئة اجتماعية ذاتية بنية مبنية او كفئة ذهنية تكون مبدا لالاف التمثيلات و الافعال . الزواج على سبيل المثال . التي تساهم في اعادة انتاج الشريحة الاجتماعية الموضوعية . هذه هي دائرة اعادة انتاج النظام الاجتماعي تؤسس الاتفاق شبه التام القائم بين المقولات الذاتية و المقولات الموضوعية خبرة للعالم كبداهة مضمونا سلفا .اسباب عملية . ص . 144 . . و بذلك فان العائلة حسب بورديو تبدوا على انها اكثر الفئات الطبيعية في شكلها و لكنها في الاصل نتاج عمل تاسيس . مكون تقنيا من طقوس المجتمع . و بذلك فانها تنتج شعورا ضامنا للاندماج و ضامنا لاستقرار و استمرار الهابييتوسات الثقافية . و لكي نفهم حسب بورديو كيف تتحول العائلة اذن من وهم اسمي الى مجموعة واقعية يربط اعضاؤها بعواطف . و هنا يشتغل العمل الرمزي و التطبيقي الى تزويد كل عضو من العائلة بروح العائلة المولدة للتضحية و التضامن و الكرم من خلال الاعمال و التبادلات و المساعدات و الاهتمام و المناسبات الاحتفالية التي تجمع العائلة و توطد في صورة رمزية اندماج روح العائلة . و تقع مسؤولية هذه الصيانة لروح العائلة على النساء بكثرة . فبهذا تصبح العائلة عبارة عن جسد و بوجودها هذاا من كلمة الى معنى اجتماعي كبير تنحوا رمزيا الى العمل كحقل بكل علاقات القوي البدنية و الاقتصادية و بالذات الرمزية . و كذا بصراعها للحفاظ على علاقات القوى هذه او تعديلها ، فالعائلة حسب بورديو اذن تلعب دورا حاسما في الحفاظ على النظام الاجتماعي و اعادة انتاج الحيويات ، اي اعادة انتاج بنية المجال الاجتماعي و العلاقات الاجتماعية ، انها حقا حس
2 – اللغة كمحصلة ثقافية:
هناك شيء مضمر حسب بورديو في كل ما هو شفهي و مكتوب ، بحيث ان هناك بنى لغوية إجتماعية مستبطنة ، و هنا سيتجاوز بورديو بنية المصطلح التي اسس لها تشومسكي ، مركزا على مفهومه ” السوق اللغوية ” ، فالخطاب الذي ننتجه حسب بورديو هو عبارة عن ” محصلة ” ، تعبر عن بنى اجتماعية للمتكلم ،و التي تنبع عن تلاقي بنيوي بين كل من تعابير السوق اللغوية التي ينتمي لها المتكلم و بنية السوق اللغوية السابقة على وجوده ككائن اجتماعي ينتمي لطبيعة المجال اجتماعيا، و يعمل كل موقف لغوي حسب بورديو بوصفه تعبيرا على خصوصية السوق اللغوية و التي تضع المتكلم في عملية الانتاج و اعادة الانتاج الخطابي ، زد على ذلك ان المتكلم يستدمج في ذهنه انتظارات الافراد منه لغويا ، بحيث يكون الوسيط بينه و بين المستمع زسيط المحصلة اللغوية و التي تستمد تبادلاتها بين الثقافي و السلوك من أساس بنيات السوق اللغوية ،زد على ذلك حسب بورديو اننا لا نتعلم اللغة بدون ان نتعلم معها معنى دواعي القبول ، لاننا حينما نقول محصلة فاننا نتحدث عن عملية استبطانية يقوم بها المجتمع من أجل خلق ذوات منسجمة و طبيعة بنيات المجال ، و كاننا نقول للذهن حينها : هذا اساس تفاعلك الاجتماعي مع الاخرين ، يجب ان تتعلمه باحكام و ان تحافظ عليه لكي لا تستبعد خارج النسق ، و بهذا فاننا حسب بورديو نتعلم اجتماعيا لشروط تقبل سوق اللغة هذه ، و التي تعبر عن مجال قائم بذاته ، لا يمكن ان يكون فيه انتاج و صراع بين المنتجين الا بتعليم الافراد عبر مفارقاتهم الطبقية ان هذه اللغة التي تسمعونها هي ذات جدوى في هذا التفاعل او ذاك ، فنحن اذن حسب بورديو نتعلم على نحو لا يقبل انفصالا مع ما استنبط في ذهننا من محصلات لغوية ، تشتغل بكونها مجال ذهني ينسج من خلاله الفاعلون اسس سلوكاتهم

3 – الذوق الفني كبناء ثقافي

ينطلق بورديو في تحليله لعلاقة الموسيقى بالجسد ، من فكرة الذوق العميق و علاقته بالاجتماعي ، مسلما بان الموسيقى هي شيء جسمي ، فهي تستهوي و تثير بقوة بنيات الجسد ، أي انها تشتغل ابعد من تأثير الكلمات على الجسد ، لانها تتمظهر مباشرة بلاوعي اجتماعي في حركات الجسم من خلال الاندفاع و التوتر و التمهل ، فهي اذن اكثر الفنون جسمية ، و في هذا السياق انتقل بورديو للحديث عن تغايرات الأذواق حسب طبيعة الشروط الاجتماعية و علاقتها بالجسم ، مستخلصا ان هذه التغايرات ناتجة عن بنية الطبقة الاجتماعية التي يتنتمي لها الفرد ، فالعلاقة بين الموسيقى و الذهن يتوسطها وسيط الذوق ، و يعني الذوق حسب بورديو سوسيولوجيا ، الرابط بين المرغوب فيه و الجسد ، فالذوق كما يقول بورديو هو مجمل الدراسات و ممتلكات شخص ما أو مجموع تناسق سابق بين الشيء و الذوق ، فحينما أقول وافقني هذا الشيء ، فإنني أقول لقد وجدت الشيء الملائم لبنية ذوقي الذهنية ، و البنية الذهنية طبعا كما يعرفها بورديو في كتابه الحس العملي هي خطاطات ذهنية ثقافية تستدمج في الجسد باحكام عبر التنشئة ، فالعلاقة اذن بين الموسقى و الجسد حسب بورديو ، هي علاقة يتلاقى فيها التوقع بالتحقق ، اي التلاقي بين الاستعداد و النغمة ، (النغمة و الرقصة بكونهما ممتدين عن الاستعداد ، امتداد نوعية النغمة في بنية التفكير ، ارتباط نوعية هذا التفكير بالجسد و الحقل )، أي ان طبيعة النوتة الموسيقية ، بنى مبنينة اجتماعيا ، تستدمج في بنية الذهن مما يجعل منها استعداد ينعكس على شكل خصوصية الجسد المتحرك ، فعلاقة الذوق الموسيقي بالجسد ، حسب بورديو يخضع لعلاقة هي نفسها العلاقة التي تربط الفرد بالحاكم ، فهو اذن نتاج للالتقاء بين ما تموضع سابقا في الذهن ، و ما هو متموقع ، و متوافق عليه نظريا بين الاول و الثاني ، فاكتشاف شيء او تجسيد و تجسيم هذا الشيء ، يجب ان يتوافق مع ذوق الشخص ، ففي الذوق تكتشف الذات نفسها و تفهم ضمنيا طبيعة الموضع والطبقة الذي تنتمي لها اجتماعيا ، ويكمن الدور الرمزي للفنان حسب بورديو في تحوليه للذوق الى الموضوع، ولكن حسب طبيعة الذوق المرتبط بطبيعة الطبقة التي سينتمي لها هذا الموضوع، لكن لا يجب حسب بورديو ان نغفل ان الفنان يحول لنا كما يفعل الباحث نظريا ( الضمني الى المصرح به فهو اكتشاف اذن لكنه اكتشاف خاضع لطبيعة البنية الطبقية )، ولهذا فان الموسيقى مجال يتكون من طبقات، فالروحانيات للطبقة البرجوازية واغاني التسلية للطبقة المغتربة، ومهمة الفنان هنا حسب بورديو الذي له ايضا انتماء الى طبيعة الطبقة، هو تحويل الافراد معه من الممكن الى الكامن، حسب خلفية الطبقة، فهو اذن حسب بورديو حس عملي يساهم في اعادة انتاج الافراد، وذلك من خلال بنية الذوق الذي يتمثل في مجموعة من الاختيارات التي قام بها شخص معين من خلال بنيته الذهنية الناتجة عن عقل اسطوري مستدمج باحكام في الاجساد، فهي نتاج التقاء بين الذوق المتموضع من الفنان وذوق المستهلك، وهذا طبعا على المفارقة الطبقية، فهذا ان حسب بورديو مجال يتكون من حقول ، نجد فيها تضادات من قبيل ” غامض / واضح ، صعب / سهل ، عميق / سطحي ” فهذه البنى اذن تمثل مواقع مختلفة مشكلة حسب بورديو مفارقة في المعتقد الموسيقي ، و بهذا فانها تمثل مواقع مختلفة في المجال الفني ، و بذلك فانها تقيم اللغة الدارجة تقابلا بينها على غرار التقابل “متقدم/ تفى عليه الزمان، وطليعي / انتمى الى الخلف” فهذا اذن عبارة عن مجال محكوم بتاريخ الانتاج، ويعبر عن الصراع الرمزي بين الطبقتين، فهي اذن عملية تعيد الجديد الى القديم: الطبقة الكادحة “موسيقى الشعبي الستاتي نموذجا كقديم الخ/ الوايواي كجديد” لكنها رغم هذا التغيير فانها تحافظ باللامتغير في الذوق، لانه ليس فقط استعداد فردي بل هو استعداد اجتماعي يتكلم باسم مفارقات المجتمع المبنية تاريخيا والمستمرة عبر عنف رمزي غير محسوس للافراد، فالموسيقى اذن شيء جسمي لانها تعبر عن استعداد مستدمج في الجسد على شكل ذوق، ليست خاصيته الانطلاق من الارادة الى المراد، بل خاصيته اجتماعية رمزية تتمثل في اعادة انتاج الطبقتين كمجالين متمايزين، فمثلا نجد ان طقس الرقص في الطبقة الكادحة، يروم الى اللاتوازن في الحركات وتقلص الجسد منحنيا الى الاسفل، والتركيز على الجسد لا كنظام من الحركات بل كاعضاء جنسية، على عكس الطبقة البرحوازية التي نجد في طقس الرقص الخاص بها، نظام للاجساد و حركات نرصد انها تروم الى الاعلى.
المراجع المعتمد عليها:
بيار بورديو – أسباب عملية – اعادة النظر في الفلسفة
بيار بورديو – أسئلة في علم الاجتماع
بيار بورديو – الحس العمل

اترك رد