من كلفة التطبيع إلى رصيد المعارضة.. كيف استعاد العدالة والتنمية جزءاً من قوته الانتخابية؟

بقلم: نعيم بوسلهام

لم تكن عودة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة المشهد الانتخابي المغربي في تشريعيات 23 شتنبر 2026 حدثاً سياسياً عادياً، ولا مجرد استعادة تقنية لبعض المقاعد التي فقدها في انتخابات 2021. فانتقال الحزب من 13 مقعداً إلى 54 مقعداً، محتلاً المرتبة الرابعة وطنياً، يطرح سؤالاً جوهرياً بشأن طبيعة التحولات التي أعادت تشكيل علاقته بالناخب المغربي، بعد واحدة من أقسى الهزائم الانتخابية التي عرفها منذ دخوله تجربة التدبير الحكومي.

المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن الحزب الذي تحمل جانباً من الكلفة السياسية لاتفاق التطبيع مع إسرائيل، بحكم قيادته للحكومة التي وقّع رئيسها سعد الدين العثماني الإعلان المشترك المغربي الأمريكي الإسرائيلي في دجنبر 2020، وجد نفسه بعد ست سنوات أمام سياق إقليمي وشعبي مختلف، يمكن أن تتحول فيه القضية نفسها من عبء على رصيده إلى أحد مداخل استعادة جزء منه. غير أن فهم هذه المفارقة يقتضي تجاوز التفسير الاختزالي الذي يربط النتيجة الانتخابية بعامل واحد، سواء تعلق الأمر بالتطبيع أو بشخصية عبد الإله بنكيران أو بتراجع الأحزاب المنافسة.

في انتخابات شتنبر 2021، لم يكن انهيار العدالة والتنمية مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل كان تعبيراً عن أزمة مركبة أصابت شرعيته السياسية وصورته لدى جزء من ناخبيه. فقد تزامنت الهزيمة مع استياء من حصيلة عشر سنوات من المشاركة في تدبير الحكومة، وتراجع القدرة على الوفاء بوعود الإصلاح، وتنامي الفجوة بين الخطاب الذي راكم به الحزب رصيده المعارض وممارسته حين أصبح مسؤولاً عن تدبير الشأن العام. وجاء التطبيع مع إسرائيل ليضاعف حدة هذه الأزمة، لأنه وضع الحزب أمام تناقض سياسي وأخلاقي يصعب تجاهله: كيف لحزب جعل من المرجعية الإسلامية ومن مركزية القضية الفلسطينية جزءاً من هويته التعبوية أن يجد نفسه، وهو يقود الحكومة، في موقع توقيع اتفاق أعاد العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل؟

لم يكن الإشكال في التوقيع وحده، بل في موقع الحزب من القرار وطبيعة التبريرات التي قدمها لتفسيره. فبنكيران، الذي لم يكن على رأس الحكومة حينها، عاد لاحقاً إلى قيادة الحزب، بينما وجد العثماني نفسه في قلب مساءلة سياسية تجاوزت حدود القرار الدبلوماسي إلى سؤال المصداقية والقدرة على التوفيق بين المرجعية المعلنة ومتطلبات السلطة. وهكذا تداخلت كلفة التطبيع مع كلفة التدبير الحكومي، لتصبح الهزيمة نتيجة تآكل متراكم في الثقة، لا مجرد عقاب انتخابي بسبب موقف واحد.

لكن السياسة لا تحتفظ بالوقائع نفسها داخل المعنى نفسه إلى الأبد. فما كان عاملاً في إضعاف الحزب سنة 2021 يمكن أن يتحول، في سياق مغاير، إلى فرصة لاستعادة بعض جمهوره. فقد أعادت الحرب على غزة، وما رافقها من مشاهد الدمار والخسائر الإنسانية، القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الشعبي، ووسّعت النقاش حول حدود العلاقات المغربية الإسرائيلية ومآلاتها. ومع تصاعد الجدل بشأن التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، أصبح التطبيع موضوعاً يتجاوز القرار الدبلوماسي الأصلي إلى أسئلة أوسع بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وحدودها، ومدى انسجام امتداداتها مع المزاج الشعبي المغربي المتضامن مع الفلسطينيين.

في هذا السياق، وجد العدالة والتنمية فرصة لإعادة تقديم نفسه باعتباره صوتاً معارضاً يستطيع توظيف القضية الفلسطينية في مساءلة اختيارات الحكومة والسياسات المرتبطة بها. فالمسألة لم تعد، بالنسبة إلى جزء من الناخبين المحتملين، مجرد استحضار لموقف سابق للحزب، بل أصبحت مرتبطة بقدرته على التعبير عن اعتراضات قائمة في المجتمع، وعلى تحويلها إلى خطاب سياسي داخل المؤسسات.

ومع ذلك، فإن القول إن التطبيع الذي ساهم في سقوط الحزب سنة 2021 هو نفسه الذي صنع عودته سنة 2026 يحتاج إلى قدر من التحفظ المنهجي. فالنتائج الانتخابية تثبت استعادة الحزب 41 مقعداً مقارنة بالاستحقاق السابق، لكنها لا تثبت وحدها أن القضية الفلسطينية أو رفض التطبيع كانا العامل الحاسم في هذا التحول. فإثبات ذلك يستلزم معطيات عن دوافع التصويت، وتحولات القاعدة الانتخابية، وأولويات الناخبين، ومدى تأثير المواقف من التطبيع في قرارهم. ومن دون هذه المعطيات، تظل العلاقة بين العاملين فرضية تفسيرية قوية تستحق الاختبار، لا حقيقة سببية مكتملة الإثبات.

إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال العامل التنظيمي والسياسي الداخلي. فقد أتاحت عودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب استعادة خطاب أكثر مباشرة وقدرة على استثارة الانتباه، بعد مرحلة اتسمت بارتباك القيادة وتراجع الحضور السياسي. كما أن موقع الحزب في المعارضة منحه فرصة لمساءلة الحصيلة الحكومية من دون أن يتحمل مباشرة مسؤولية تدبيرها، وهو امتياز سياسي لا ينبغي الخلط بينه وبين امتلاك بدائل عملية قابلة للتنفيذ. وتفيد النتائج بأن الحزب استعاد جزءاً مهماً من حضوره البرلماني، لكنها لا تعني بالضرورة استعادة مستوى الثقة الذي كان يتمتع به قبل انتخابات 2021.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة هذه العودة بوصفها تعبيراً عن قابلية جزء من الناخبين لإعادة ترتيب اختياراتهم عندما تتغير القضايا التي تحظى بالأولوية في المجال العام. فالناخب لا يصدر حكمه على الأحزاب انطلاقاً من معيار واحد؛ إذ تتفاعل الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية مع المواقف السياسية والرمزية والمرجعية. وقد يتراجع حزب بسبب حصيلته الحكومية، ثم يستعيد بعض أنصاره عندما يعتقد هؤلاء أن خطاب المعارضة لديه أصبح أكثر تعبيراً عن مخاوفهم أو عن قضايا يرونها مركزية. لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الناخبين نسوا إخفاقات الماضي، بل قد يعني أنهم أعادوا ترتيبها ضمن سلم جديد للأولويات.

وهنا تبرز مفارقة أخرى: إذا كان العدالة والتنمية قد استفاد من تجدد النقاش حول التطبيع، فإن هذه الاستفادة تضعه أمام اختبار المصداقية نفسه الذي واجهه سابقاً. فاستثمار القضية الفلسطينية انتخابياً لا يكفي لبناء شرعية سياسية مستدامة؛ إذ يتعين على الحزب أن يوضح كيف يترجم مواقفه إلى ممارسة سياسية متماسكة، وكيف يوازن بين المرجعية التي يستند إليها ومتطلبات العمل المؤسساتي، من دون العودة إلى ازدواجية الخطاب التي ساهمت في استنزاف رصيده.

كما أن المرتبة الرابعة، رغم أهميتها مقارنة بحصيلة 2021، تفرض التمييز بين التعافي الانتخابي والعودة إلى قيادة المشهد السياسي. فحصول الحزب على 54 مقعداً لا يجعله القوة الأولى وطنياً، إذ تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً. وبالتالي، فإن استعادة جزء من الحضور لا تعني أن الحزب تجاوز جميع أسباب أزمته، ولا أن الطريق بات مفتوحاً أمام عودة وشيكة إلى رئاسة الحكومة.

والأهم أن النتائج تكشف عن استمرار التباعد بين استعادة المقاعد والقدرة على تقديم مشروع سياسي بديل. فالمعارضة لا تُقاس فقط بقدرتها على استثمار أخطاء الأغلبية أو التعبير عن الغضب الشعبي، وإنما بمدى امتلاكها تصورات قابلة للنقاش بشأن التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، وبقدرتها على تقديم إجابات واضحة عن كلفة السياسات العمومية ومصادر تمويلها وحدود تنفيذها. ومن دون ذلك، قد تتحول العودة الانتخابية إلى استعادة مؤقتة للتمثيل، لا إلى تجديد عميق للعقد السياسي مع الناخبين.

في المحصلة، لا تكمن دلالة عودة العدالة والتنمية في أنه استعاد موقعه السابق، بل في أن الهزيمة الانتخابية لا تنهي بالضرورة الحياة السياسية للأحزاب، كما أن استعادة المقاعد لا تمحو تلقائياً أسباب السقوط. لقد تغير السياق الذي يتحرك فيه الحزب، وعادت القضية الفلسطينية لتمنح خطابه مجالاً أوسع للتعبئة، فيما أتاح له موقع المعارضة وعودة بنكيران إلى الواجهة استعادة جزء من حضوره. لكن تفسير النتيجة بعامل التطبيع وحده يختزل تعقيد السلوك الانتخابي، مثلما أن الاحتفاء بالعودة بوصفها انتصاراً نهائياً يتجاهل حدودها الرقمية والسياسية.

إن الاختبار الحقيقي أمام العدالة والتنمية يبدأ بعد الانتخابات، لا عند إعلان نتائجها. فهل يستطيع تحويل استعادة المقاعد إلى مراجعة نقدية لتجربته الحكومية، وبناء خطاب متماسك بشأن التطبيع والقضية الفلسطينية، وتقديم بدائل اجتماعية واقتصادية تتجاوز التعبئة الظرفية؟ أم أنه سيكتفي باستثمار التناقضات التي تواجه خصومه، من دون أن يحسم تناقضاته الخاصة؟

ذلك هو السؤال الذي ستتوقف عليه قيمة هذه العودة: ليس كم مقعداً استعاد الحزب، بل ما إذا كان قد استعاد، إلى جانب المقاعد، القدرة على إقناع الناخبين بأن لديه ما يقدمه للمستقبل، لا مجرد ما يستحضره من أخطاء الماضي.

اترك رد