الصناعات العسكرية الفرنسية والخيارات الصعبة

بقلم: عبدالكريم ابنو عتيق (.)

بقلم: عبدالكريم ابنو عتيق (.)

الحفاظ على القاعدة الصناعية العسكرية لفرنسا تحد مطروح على صناع القرار في باريز، لا سيما بعد عودة التوتر إلى أوروبا، واندلاع الحـــرب الروسية الأوكرانية، ومن قبل احتــــلال موسكـــو منطقة القرم سنة 2014. ومعلوم أن القاعدة الصناعية والتكنولوجية للدفـاع Base industrielle et technologique de défense ، هي التسمية التي تطلق على ما تبقى من القطاعات الإنتاجية في مجال الدفاع، والتي استطاعت الصمود في وجه الأزمات والمتغيرات التي عرفتها الصناعات الفرنسية عموما في بداية الثمانينيات، بالإضافة إلى المنافسة الشرسة من طرف الكبار في هذا المجال كونيا. وحسب الإحصائيات المتوفرة، هناك 4000 مقاولة تنشط في مجال الصناعات العسكرية، تتواجد تقريبا في كل التراب الفرنسي، تُشغل أكثر من 200 ألف مستخدم، برقم معاملات يصـل إلى 15 مليار أورو. والخبراء يؤكدون أن الإنتاج الصناعي الحربي الفرنسي قادر بشكل عام على الاستجابة للطلبات الاستثنائية في حالة بروز تعقيدات قد تؤدي إلى مواجهات عسكرية مباشرة. انطلاقا من هذه المقاربة، ونظرا للتحولات الواقعة على المستوى الجيواستراتيجي، برز إلى السطح من جديد نقاش كان قد اختفى منذ مدة طويلة، يتعلق بشروط الحفاظ على الصناعة العسكرية الفرنسية لضمان نوع من السيادة، خارج منطق التوازنات المالية التي تحكمت في كل الخيارات التي تبنتها الحكومات المتعاقبة اليمينية واليسارية. وتحت ضغط الحرب في أوكرانيا تم إيجاد توافقات تمحورت حول ضرورة القيام بمجموعة من المبادرات أهمها:

1- توفير شروط مالية للقيام بطلبات على المدى البعيد تسمح باستمرارية الإنتاج بوتيرة قادرة على الحفاظ على النسيج الصناعي الذي يتطلب الاستمرارية.

2- ضرورة التعاون بين الدولة والمقاولات الفاعلة في مجال الصناعات العسكرية قصد توفير مخزون استراتيجي للمواد الأولية المستعملة، لا سيما تلك التي تعرف منافسة حادة بين الفاعلين الكبار عالميا في هذا الميدان.

3- سن سياسة للتكوين على مستوى اليد العاملة لتدارك الخصاص الموجود حاليا. ولتأكيد هذا المعطى يكفي حسب المتتبعين الاستشهاد بحالة شركة “نفال كروب”Naval Group ، التي تضطر إلى الاستعانة بيد عاملة أجنبية في مجال التلحيم الأساسي لصناعة البواخر الحربية.

4- دعم ملموس للبحث العلمي عبر تقوية دور وكالة “الابتكار في الدفاع” (AID) Agence de l’innovation de défense ، مع الإشارة إلى أن تعيين إمانويل شيفا Emmanuel chiva على رأس “المديرية العامة للأسلحة” (DGA) Direction Générale de l’armement ، وقد كان على رأس الوكالة من قبل، يعتبر حسب المتتبعين شيئا إيجابيا، باعتبار الرجل راكم تجارب عديدة تسمح له باستيعاب التحولات الحالية.

5- الأخذ بعين الاعتبار الصعوبات المالية على اعتبار أن الصناعات العسكرية تتطلب استثمارات على المدى البعيد، مما يدفع جل البنوك إلى التحفظ على المساهمة في مجموعة من المشاريع، زد على هذا بروز اتجاهات تتحفظ على التمويلات الموجهة إلى الصناعات العسكرية.

6- معالجة التناقض الحاصل على مستوى الاتحاد الأوروبي، فبقدر ما هناك إجماع فيما يخص الصندوق الأوروبي للدفاع أو الوكالة الأوروبية للدفاع، هناك، حسب أهل الاختصاص، خلل في المنظومة القانونية للبنك الأوروبي للاستثمار لا يسمح لهذه المؤسسة بالمساهمة في البرامج الأوروبية ذات الطابع الصناعي العسكري.

7- ضرورة خلق صندوق سيادي قادر على تعبئة الموارد المالية بمنح امتيازات ضريبية تشجع الخواص أو المؤسسات على توظيف أموالهم، مع تأكيد البعض على أن ما يقوم به صندوق “Definvest” أصبح متجاوزا في ظل التعقيدات الكونية الحالية.

8- تبسيط المساطر الخاصة بالصفقات، لا سيما تجاه المقاولات الصغرى والمتوسطة الأساسية في مجال الصناعات العسكرية، باعتبارها الطرف المتضرر وغير القادر على الاستجابة لكل شروط دفاتر التحملات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا النقاش جاء في سياق الصعوبات التي يعرفها التعاون الفرنسي الألماني في هذا القطاع الحساس، وقد تعرضنا في مقالات سابقة لخصوصية التعثرات التي تحاصر المشاريع المشتركة بين البلدين، نذكر منها برنامج إعادة تأهيـل المروحية المشتركة “E665” “لوتيكر”le Tigre ، أو التخلي عن برنامج “MAWS” الخاص بإنتاج الطائرة المكلفة بمراقبة السواحل، وتفضيل الألمان للطائرة الأمريكية “بوسيدن” le Poseidon المتخصصة في هذا المضمار، كذلك شبه الانسحاب من برنامج المدفعية المسمى “CIFS”، زد على ذلك الصعوبات التي يعيشها النقاش الأولي حول مشروع الطائرة الحربية المشتركة المعروف بـ”SCAF”، نظرا لوجود خلافات جوهرية بين “إيرباص”- فرع الدفاع، والشركة الفرنسية “داسو”. كذلك برنامج تعويض الدبابات الفرسية “لوكلير” والألمانية “ليوبارد2″، بالرغم من التقدم الحاصل بين الشركة “نيكستير” Nexterوالألمانية “كراوس- مافي ويكمان”Krauss-Maffei wegmann ، في إطار مشروع أطلق عليه “KMDS”، إلا أن رغبة بعض المسؤولين في برلين إلحاق شركة ألمانية أخرى بالمشروع هي “رين ميطال”Rheinmetall ، طرح مجموعة من التساؤلات، لا سيما أن هذه الأخيرة قررت لوحدها الاشتغال على مشروع الدبابة “بنتير”Panther KF 51 ، دون الوقوف عند خطاب المستشار الألماني شولز في براغ، الذي تجاهل التعاون الألماني الفرنسي في مجال الدفاع، مكتفيا بالتأكيد على انطلاق برنامج الدفاع الجوي المفتوح لـ 14 دولة أوروبية، الذي يعتمد أساسا على نظام الصواريخ الإسرائيلية في تكامل مع نظام “باتريوت” الأمريكي، دون الإشارة إلى الصواريخ الفرنسية الإيطالية في هذا المجال المسماة SAMP de” MDBA”.

أكيد وحسب إجماع كل المراكز الاستراتيجية المهتمة بالشأن الأوروبي، فإن ألمانيا تعيش مرحلة دقيقة، تقتضي منها التفكير من جديد في الأسس التي ستجابه بها التعقيدات الطارئة في القارة العجوز. وهي تعي جيدا أنها جزء أساسي من استقرار أوروبا، لكنها تفضل ذلك ضمن غطاء أمريكي يساعدها على خلق نوع من التوازن مع روسيا، مستوعبة أن فرنسا باستثناء السلاح النووي غير قادر ة على توفير هذا التوازن الضروري لاستمرار مشروع الاتحاد الأوروبي، لذلك راهنت في السابق على تقارب اقتصادي مع روسيا من خلال مشاريع وصفقات الغاز التي أثارت حفيظة واشنطن آنذاك، واليوم وبعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، لا خيار أمام برلين إلا توفير كل الإمكانيات من أجل الدفاع عن نفسها، لكن بحماية أطلسية وبارتكاز مطلق على سلاح أمريكي يتكامل مع ما تتوفر عليه من خلال صناعاتها العسكرية، مقتنعة بأن الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا حلم لن يتحقق.

فهل تستطيع باريز تحويل جزء كبير من مشاريعها نحو حلفاء أوروبيين آخرين مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا أو بريطانيا، بالرغم من مغادرة هذه الأخيرة سفينة الاتحاد الأوروبي، أم لها القدرة لوحدها على الاستمرار في مشاريع تتطلب إمكانيات مالية ضخمة في ظل صعوبات تجعل ميزانية الدفاع لا تتجاوز 40 مليار أورو، رقم ضئيل إذا ما قورن بالولايات المتحدة الأمريكية التي تتجاوز ميزانيتها المخصصة للدفاع 750 مليار دولار أو الصين 250 مليار دولار؟. سؤال سنسعى الإجابة عنه في الجزء الثاني من هذا المقال بنوع من التفصيل وبالمقارنة مع قوى أخرى صاعدة في قطاع الإنتاجات الصناعية الحربية.

(.) وزير سابق، وعضو مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

اترك رد