العقل في التاريخ والتاريخ في العقل؟؟؟ ح.2

بقلم: د. محمد وراضي

تصوروا معي شجرة مثمرة في جهة ما من العالم، استلذ الإنسان الأول ثمارها، فكان يمد يده إليها لجني القدر الذي يسد به جوعه، ولما لم تعد الثمار في متناول يده، لزمه حينها أن يبتكر وسائل أخرى غير مد اليد مباشرة إلى القطف. إن أمامه استعمال التسلق، أو إسقاط الثمار بالحجارة أو بالعصا. بحيث تصبح عنده عدة تجارب في التعامل مع ثمار الأشجار الطبيعية. وقد يكتسب أخرى وهو في مرحلة الانتقال من مكان إلى آخر بحثا عن القوت. والقوت ذاته يحكم على صلاحه أو عدم صلاحه بالتذوق. وربما كان بعض مما يقدم على تناوله خطرا على جسده، مما يعني أنه مضطر إلى تجنب بعض الأقوات، والإقدام على البعض الآخر. إنه إذن يتعلم، ودائرته في التعلم آخذة في الاتساع. وما تعلمه يجعله معلما لغيره، فيتكون العقل عنده كمضمون. وبما أن ذاكرته عبارة عن خزان للتجارب أوللمعارف، فإنه لن يحتاج إلى تكرار نفس التجارب. فصح أن العقل كمضمون متقدم على العقل كوظيفة. وحتى يؤدي هذه الوظيفة، لا بد له من الاستعانة بالمدركات الحسية والمدركات المعنوية. وهتان المدركتان المحتفظ بهما في ذاكرته، تعنيان أن التعقل عملية لا محسوسة، تمت بلورتها بفعل التذكر، دون الزعم بأن المحصول المعرفي المحفوظ في الذاكرة، محصول غير مشترك لدى عامة الناس. فقوة الإدراك أو ملكته، تتفاوت من شخص إلى آخر. وما قيل عن هذه الملكة يقال عن ملكة الذاكرة، وهذه يتولى المعلمون الوقوف على مدى سلامتها لدى التلاميذ، وقياسها أولاه علم النفس المعاصر أهمية قصوى، ونفس الأهمية أولاها للإدراك والذكاء.
فمسيرة الإنسان إذن للتأقلم مع موجودات العالم شاقة تقتضي التعرض لعوائق، وثمنها يدفعه من جسده ونفسه. وهذا الإنسان الذي نتحدث عنه، بيننا وبينه ملايين السنين. إنه في كل الأحوال سلفنا الذي لولاه ما تم لنا الاستقرار، ولا تمت لنا زراعة الأرض، ولا تم لنا جني محاصيلها. فعملية الحرث وحدها اكتشاف، علينا الإشادة بمن أقدم عليها من أجدادنا الأبعدين. ولا نعرف ما إذا كان الحرث بالأيدي أو بواسطة الدواب؟ والوصول إلى استعمال الدواب في الحرث، تسبقه لا شك مرحلة تدجينها. وأدوات الحرث غير الحيوان المدجن، من يكون صاحب اختراعها؟ نقصد المحراث بكل لوازمه؟ وكيفية الحصاد؟ هل كانت باليد؟ ومتى أصبحت بالمناجل؟ وكيفية الدرس قبل اعتماد الدواب في إنجازه؟ وكيفية استخلاص المحصول بعد الدرس؟ وكيفية الاحتفاظ به حتى لا يتعرض للفساد؟ إلى آخر ما يجسد احتكاك الإنسان بالعالم من حوله لأن قائمة الاحتكاك به طويلة، مع التسليم المطلق بأن العقول عبر مختلف الاحتكاكات تغتني بمعلومات، هي نفسها سلف علينا أن نقتنع بنجاعته.
والدواب التي يركبها الإنسان؟ كيف تم له تدليلها؟ تعلق الأمر بالحمار، أو بالحصان، أو بالجمل، أو بالبغل؟ وكيفية بنائه للمساكن؟ من أملى عليه هذه الكيفية والتنوع في البناء؟ وما القول في المقارنة بين أبنية الحواضر وأبنية البوادي؟ وكيف تم اكتشاف عملية التبادل بالمقايضة؟ ومتى تم اعتمادها؟ وكم استغرقت من الزمن؟ قرون تلو قرون؟ وصك النقود متى تم للإنسان كخطوة لتجاوز التعامل بالمقايضة التي يجري بها العمل بين أظهرنا حتى الآن؟ أو لم يمهد الأسلاف بالفعل طريق الأخلاف؟ أو لم يكن من واجبنا أن نخصص الأجداد المبتكرين باحتفالات، تربطنا بهم من خلالها روابط المتعلمين بالمعلمين؟
لنستحضر في مخيلتنا كشف أدوات الطبخ البدائية، وعلاقتها بتجريبها بعد الانتهاء من صنعها؟ ولنستحضر كيفة انتشار طبخ الأطعمة ودعك الطحين بالماء لغاية تحويله إلى خبز؟ ولنستحضر كيفية الحصول على حليب الأبقار، وكيفية تحويله إلى لبن بعد استخلاص الزبد منه. ومعها نستحضر الأداة التي يتم بها مخض الحليب، لأنه في كل استحضاراتنا نقف على وظيفة العقل في خدمة البشرية. فيكون علينا أن نمتدح آلاف المخترعين الذين لم نعرف أسماءهم ولا هوياتهم بالتأكد. لكننا على بينة من كونهم في التاريخ لا خارجه، وأنهم من صناعه، لا من المتبجحين بأنهم يعرفونه؟؟؟
الدكتور محمد وراضي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.