الفصل بين التقنية الغربية والقيم الشرقية، أحد أهم العوامل المساهمة في نجاح التجارب النهضوية بشرق اسيا و فشلها في العالم العربي…

بقلم: د. طارق ليساوي
حاولنا في أكثر من مقال وبحث ودراسة ومحاضرة أن نشيد ببعض التجارب التنموية الناجحة، ومن ذلك تجربة الصين و باقي بلدان شرق أسيا،و هذا التوجه المقارن ليس الهدف منه مجرد محاكاة أو اقتباس التجارب الناجحة، والأساليب و الأدوات الفعالة في تحقيق التنمية والنمو و إخراج الناس من العوز و الفقر و الحرمان، و لكن محاولة إيجاد حلول من خارج صندوق التنمية وفق الرؤية المركزية الغربية، ذلك أن التجربة التنموية الأروبية-الغربية لها خصوصيات حضارية نابعة من اختلاط و تمازج مكونات الإرث الروماني اللاتيني و المسيحي اليهودي..و هي من دون شك، أفرزت جملة إنجازات إيجابية لشعوبها و للعالم، لكن بالقدر نفسه أفرزت عيوبا تنموية وتشوهات حضارية أضرت بالإنسان و البيئة، لكن خارج الصندوق التنموي الغربي نجد نماذج أو بدائل أخذت من الغرب إيجابياته و حاولت تفادي السلبيات،و من ذلك التجارب التي سبق و أشرنا إليها..فقد نجحت هذه البلدان في خط طريقها التنموي و النهضوي…
فمن حسن حظ هذه البلاد أنها إهتدت إلى قيادات على درجة كبيرة من الوعي و المصداقية و الوطنية، و حاولت قدر الإمكان استغلال الفرص و تجاوز العوائق، ومن ذلك “محمد مهاتير” في ماليزيا و “لي كوان يو” في سنغافورة ..و الغريب في الامر أننا في المغرب نجد شخصية سياسية و اقتصادية في مستوى “المهدي المنجرة” رحمه الله و أسكنه فسيح جنانه، لم يتم الأخد بنصائحه، و قد أفنى حياته في تنبيه الشعوب العربية قاطبة الى مخاطر المنهج التنموي المتبع، و الواقع ان ما فعله “مهاتير” او “لي” او “دوشوبينع” أو غيرهم من قادة شرق أسيا ، قاله المنجرة و حلله بتفصيل، فالبلاد العربية ليست في حاجة للتقليد و نقل الغث و السمين، و التفريط في القيم و إحلال القيم الغربية محل القيم الاسلامية و الهوية الوطنية، و هو ما تفادته بلدان كاليابان و الصين و غيرها من بلدان شرق أسيا..
ففي اليابان قبل حوالي قرن ونصف سنة 1868 ، انطلقت ثورة “الميجي” و هي بالمناسبة جاءت مواكبة لإصلاحات دشنها حاكم مصر “محمد علي” في نفس الفترة تقريبا، والفكرة الأساسية المحركة للمبادرتين كانت هي الاستفادة من التقدم التقني و الحضاري الذي تحقق في أوروبا، فتم بعث خيرة شباب اليابان و مصر إلى العواصم الغربية لتلقي العلوم و العودة لأرض الوطن، لنشر المعارف الجديدة وتوطين المعرفة، لكن الوجهة اليابانية كانت مختلفة عن الوجهة المصرية ومن هنا اختلفت النتائج..
فبينما رفعت اليابان شعار “التقنية الغربية و الروح اليابانية” فضل رسل المعرفة من الشباب المصري من أمثال “قاسم أمين” و “رفعت الطهطاوي” و “طه حسين” و”توفيق الحكيم” الروح الغربية و حاولوا أن ينقلوها لأوطانهم لتحل محل الروح الإسلامية، و لم تستفد مصر من التقنية الغربية إلا القليل عكس ما حققه اليابانيين …
فاليابانيون كانوا أكثر ذكاءا و احتياطا في التعامل مع مخرجات الحضارة الغربية، فهم اعترفوا بسيادتها تقنيا، و لكن حافظوا على انتمائهم الحضاري و الأخلاقي و القيمي، فالثقافة و الحضارة اليابانية ظلت سامقة في عقول القادة و صناع النهضة، بينما افتقدت مصر ومعها العالم العربي هذا الإحساس و أعطت لأوروبا و قيمها مكانة سامقة على حساب جلد الحضارة العربية والإسلامية ونبذ القيم الإسلامية، ففقدت الأمة بوصلتها و لم تحقق إنجازا يذكر، واستمرت الأمة العربية ككل في هذه الحلقة المفرغة، بينما أدركت اليابان وبعدها الشعوب الأسيوية المجاورة سر النهضة، فقلدت خطى اليابان في نهضتها، و حققت بالفعل نتائج نهضوية و تنموية جيدة، و القصة اليابانية تم إنتاجها مجددا في كوريا الجنوبية و سنغافورة و ماليزيا ، و الصين أيضا تبنت رسميا نفس السيناريو الياباني و حملت منذ 1978 تاريخ نهضتها الحالية، شعار “التقنية الغربية والروح الصينية”..
لكن حكام العالم العربي ينافقون شعوبهم، و لايسعون لنهضة وتقدم شعوبهم، فلو كانوا فعلا يعملون بما يقولون لتحقق شيء إيجابي على الأرض، فعلى الأقل سيكون هناك انجاز فعلي و ملموس، سواء في الاقتصاد أو الطب أو الزراعة…لكن هل يبدو أي انجاز على أرض العرب؟ فما جدوى الشعارات المرفوعة منذ عقود؟. فالاقتصاد في معظم العالم العربي لازال يراوح مكانه، فمعدلات البطالة جد مرتفعة، و معدلات النمو الاقتصادي لاتؤيدها الوقائع على الأرض،و نسب التضخم في تزايد، وقيمة العملة الوطنية في تدهور، مما يدل على غياب الكفاءة الإنتاجية والفعالية الاقتصادية..
أما على المستوى العلمي و التعليمي فالطامة أكبر، و يكفي مثالا على فشل المنظومة العلمية والتعليمية، أن الحكام العرب و أسرهم و بطانتهم، لا يعالجون بأوطانهم بل وجهتم الأطقم الطبية في فرنسا و انجلترا و أمريكا..بل إن تعليم أبنائهم و أحفادهم لا يتم إلا في بلاد الغرب، و بعضهم أصبح يتجه تدريجيا نحو كوريا الجنوبية وسنغافورة … فأليس في ذلك شهادة دامغة مصدرها صناع السياسة، على فشل السياسات التعليمية و التنموية العربية، وعدم فعاليتها في بناء الأمة وتحقيق نهضتها؟
أيها السادة النهضة طريقها مختلف، نعم من المؤكد أن التعليم و المعرفة محرك أساسي في النهضة، لكن عن أي تعليم و أي سياسة تعليمية نتكلم؟ فالمسألة ليست تقنية أو معادلة لوغاريتمية محايدة، فعندما نتكلم عن التعليم فالمسألة بالدرجة الأولى سياسية وأخلاقية/ قيمية إنها رؤية مجتمعية..لأجل ذلك، فإن أي نهضة تحاول أن تخط طريقها بعيدا عن روح الأمة، لن يكتب لها النجاح و التوفيق، ورسالتي ليست للحكام فهؤلاء اختاروا الغرب بديلا، ونصبوا قيم الأمة وفي مقدمتها الإسلام عدوا، و اعتبروه عائقا في وجه التنمية والتقدم، متجاهلين حقيقة تاريخية لا جدال فيها، أن حضارة الإسلام و الحضارة العربية كان محرك نهضتها الإسلام، فقبل بعثة النبي العربي محمد عليه الصلاة السلام، كان العرب يرعون الإبل و بعد الإسلام أصبحوا رعاة للأمم ، و لا نهضة ولا مستقبل لهذه الأمة بدون مصالحة مع مبادئ و قيم الإسلام …و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..
 أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة…

اترك رد