المحاماة والوعي الذاتي

بقلم: حسن حلحول (.)

إن ما توصل اليه علماء الفيزياء الكم او الكموم، أنه ليس هناك حقيقة واحدة للوجود وإنما هناك فقط الوعي بالوجود، فإنني أستعير هذه القاعدة إن صحت الاستعارة، وأطبقها للتمييز بين عقل المحاماة الكلاسيكية وعقل المحاماة الحديثة، وجدت أن الفرق بينهما هو الوعي بذات الشيء يختلف من مرحلة الى اخرى، بمعنى آخر أن النظر في المتغيرات التي تطرأ على المحاماة يقع في وعينا نحن المحامين المرتبط بواقع المهنة والقوانين المفروضة علينا.
بعد ما ان اعتقد كبار المحامين نقباء ورؤساء الجمعية أن ما توصلوا اليه من المكتسبات التي راكمتها المهنة في القرن العشرين ،وفي العقد الأول من القرن الواحد والعشرين هو كمال الحقوق، مما خول لمهنة المحاماة أن تجاوزت الدفاع عن الذات الى الدافع عن استقلالية القضاء بقوة وشراسة، لانه مكون جوهري في المعادلة، وأن المهنة وصلت إلى ذروة الدفاع عن حقوق الإنسان وعن المحاكمة العادلة وعن المرأة ككيان مستقل بذاته والقضاء على تبعيتها والقضاء عن ممارسة العنف المادي واللفظي عليها، وأنه ليس هناك أكثر من هذا الطموح المشروع الانساني، ونمذجة هذه المعارك التي خاضتها المحاماة في المهن المحيطة بها وفي المجتمع.
وأن الوجود الراقي للمحاماة يبعث ويستند عن تحمل مسؤولية الدفاع عن المجتمع، باعتبارها رسالة إنسانية مجتمعية، وأنها قبل تحمل أمانة القضاء على الفساد، أخذت على عاتقها أمانة كبيرة وهي تحقيق المحاكمة العادلة، وبهذا تكون قد فسرت الظواهر المحيطة بها تفسيرا علميا نظريا وممارسة، معتقدين إن المحيط بالمهنة يشتغل كالآلة الميكانيكية القطب الراحة فيها المحاماة، كل حلقة مرتبطة بأخرى وأن الوصول إلى تحقيق مطلب استقلالية السلطة القضائية في دستور 2011 هي نهاية كل المشاكل الذي تتخبط فيها العدالة في بلادنا، وبهذا يكون التنبؤ بمستقبل المهنة ومن ثم بمستقبل المحاكمة العادلة قد تحقق، بشرط على معرفة مقدمته في الحاضر المتمثل في استقلالية القضاء، وذلك على أساس قاعدة علمية أن حاضر مهنة المحاماة مبنية على الماضي وبالتالي المستقبل مبني على الحاضر.
وأن ثقة العمياء في النفس للمحاماة الكلاسيكية، اعتقدت ان تغيير مكون دون الآخر لن يؤثر فيهم ، اي أن التغيير في جهاز القضاء لن يغير شيئا في مهنة المحاماة وان عدم مواكبة التغيير لن يؤثر في المحاماة المحصنة بالأعراف والتقاليد وهذا خطأ، بل اعتقدوا أن التغيير يبقى دائما رهين بوعي المحاماة، ودائما تأتي المبادرة منهم.
بل أنما اعتقدوا أن من المستحيل أن يحدث اي تغيير او التنبؤ باي تجديد او تعديل في القوانين، خارج إطار المحاماة وأنه لا يمكن إحداث اي تغيير دون استشارتهم ومشاركتهم فيها، الى أن ظهرت من فين الى أخرى تصريحات من هنا وهناك تنبئ على أن الأمور خرجت من بين أيديهم، وأن الإبقاء على ما هو كلاسيكي والعيش على ماضيه لا يمكن أن يطور المحاماة ، وأن التطور والمواكبة ليس مطلوب لذاته وإنما تفرضه قوانين وطبيعة تطور المجتمع ككل، على هذا الأساس، فإن ما اهدف اليه هو التنبيه ولفت نظر نتقبائنا الجدد الأجلاء، أن يستوعبوا رهان المرحلة، وذلك بجعل المحاماة تنتقل من مرحلة الكلاسيكية إلى مرحلة تحديث فكر وعقل المحاماة على المتغيرات والتطورات التي يعيشها الجهاز كجزء من مشروع التغيير والتطور الذي يطرأ داخل المجتمع .
إن القصة هي أن الكل ينتظر من النقباء الجدد بعد انتخابهم الرجوع بمهنة المحاماة إلى الوضع الإشعاعي الذي كانت عليه، والدور البارز الذي كانت تلعبه وتضطلع به المحاماة الكلاسيكية ، والبروز من جديد بطاقة قوية في ساحة العدالة والمجتمع،
إن هذه الرغبة رغبة القاعدة ، تبناها نقباءنا في حملتهم الانتخابية كهدف واختيار استراتيجي مرتبط بمستقبل المهنة المبني على الحاضر الذي عرف في الآونة الأخيرة أزمة خانقة على مستوى الممارسة ، وذلك بإقصاء المحامين في كثير من المحطات الاساسية في الأمس القريب كانت المحاماة هي المحرك فيها، قبل ان يتقلد وزير العدل عبد اللطيف وهبي وزارة العدل، وتراجعت مكانتها في كثير من المواقع، المشاركة في قرار المتعلق بالامتحانات المحاماة، حضور النقباء في الامتحانات الكتابية والشفوية، كل هذا جعل المحاماة تعيش مرحلة جديدة ما بعد المحاماة الكلاسيكية.
إن المرحلة التي يعيش المحامون فيها، هي مرحلة انتقالية صعبة، إن على المستوى الأنطولوجي او الاقتصادي او الاجتماعي او الثقافي او السياسي، وإن على مستوى القوانين القادمة التي هي مشاريع تعديل للقوانين السابقة طالها تعديلات عميقة وجذرية تمس بمستقبل المحاماة،فهي تشكل تحد قوي يجب المشاركة المحامين فيها بكل فئاتها لتكون دعما وسندا لمؤسساتهم، المساهمة فيها كل من موقعه واجب تفرضها ضرورة التحولات الاجتماعية و الإكراهات الاقتصادية التي يعاني المحامون منها.
إن المطلوب الآن من الكل مؤسسات ومحامين أن لا يبقى أداءها منحصر في كيفية تدبير الشأن المهني المحصور فيما هو شكلي، وأن لا يبقى المحامي منشغل على الملفات المعيشية، وإنما يجب الرفع منها الى المستوى المحامي الاقتصادي الذي يعرف كيف يطور ذاته وفق التطور الاقتصادي المحلي والإقليمي والدولي، نطمح بمحامي أن يكون قطب الرحى والمحرك الاقتصادي والمساهم الاجتماعي و المؤطر السياسي، والمشرع البرلماني، والمنور المثقف في جميع العلوم وفي المعرفة الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا التواصلية.

(.) عضو سابق بمجلس هيئة المحامين
بالرباط

اترك رد