جراحة العقول

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: رياض الفرطوسي

تنتهي الحروب عسكرياً حين تصمت المدافع والصواريخ ، لكنها لا تنتهي حضارياً إلا حين تبدأ اللغة بالصراخ. في المشهد العالمي، كانت الكوارث الكبرى دائماً “مُعجّلاً” كيميائياً لولادة الوعي؛ فالحرب العالمية الأولى لم تترك خلفها ركاماً فحسب، بل تركت “جيل الضياع” الذي أعاد صياغة الوجدان الأمريكي عبر همنغواي وفتزجرالد، محولين العدم إلى نص أدبي يواجه زيف الشعارات. والنازية حين أحرقت كتب إريك ماريا ريمارك، كانت تدرك أن الرصاصة تقتل جسداً، لكن المعرفة تقتل “الفكرة” التي يقتات عليها الاستبداد.

المأزق الذي نعيشه اليوم ليس سياسياً في جوهره، بل هو “انسداد معرفي” مزمن. السياسة، بضجيجها وانتخاباتها وتقلباتها، ليست سوى الفقاعات التي تطفو على سطح البحيرة، بينما القاع راكد يعج بالعلاقات البدائية والمفاهيم المتكلسة. إننا نعالج العَرَض ونترك المرض؛ نغير الوجوه ونبقي على “العقلية” التي أنتجت تلك الوجوه. فالسلطة في جوهرها ليست مجرد ثكنة أو جهاز أمن، بل هي “بنية ذهنية” تتغذى على الامتثال والمطابقة، وحين يغيب العقل الناقد، تتحول المجتمعات إلى مصانع لإنتاج “الأجيال المسطحة” التي تمتلك أحدث التقنيات لكنها تفتقر لأبسط أدوات التفكير الحر.

ما حدث في تجارب الحداثة الكبرى، من اليابان التي قامت بـ “تصفية” ماضيها لتبني مستقبلاً لا ينفصل عن هويتها، إلى فرنسا التي فككت لغتها القديمة لتنتج السريالية والوجودية، كان برهاناً على أن النهوض يبدأ من “اللغة”. اللغة هي الحامل للمفهوم، وحين تظل لغتنا محكومة بتراتبية القبيلة، ووصاية “الشيخ” أو “السياسي”، فإن أي تغيير سياسي سيظل مجرد “تغيير عناوين”. إن استعادة القاب التكوينات الاجتماعية التقليدية في لحظات الانهيار ليست عودة للجذور، بل هي نكوص تاريخي واحتفاء بالهزيمة، إذ نلوذ بالقديم خوفاً من مواجهة استحقاقات المستقبل.

المثقف “المتطابق” الذي يبحث عن شهادات “حسن السلوك” من بعض المؤسسات أو لجان الأحزاب الأيديولوجية المتكلسة (هياكل محنّطة تحرس الركود)، ليس سوى بائع أوهام بزيّ أديب. فالمثقف الحقيقي، كما جسّده جيل “البيت” في طنجة (جيل الصعاليك الأحرار الذين هجروا قيود الغرب ليجدوا في طنجة فضاءً للثورة على الأخلاق السائدة) أو متمردو “انظر للوراء بغضب” في بريطانيا (جيل الشباب الغاضب الذي حطم برود الطبقية البريطانية بصرخة احتجاج ضد الضياع والخيبة) ، هو ذلك الذي يجرؤ على أن يكون “غريباً” داخل قطيع المتشابهين. إن الاختلاف هو شرط الحداثة الوحيد، وبدونه نتحول إلى مجرد “مستهلكين” للحضارة، نسكن في أبراج من زجاج وعقولنا لا تزال أسيرة لسراب الصحراء. إننا في متاهة دائرية، ولن نخرج منها بمجرد تغيير الديكور، بل بكسر المرآة التي تعكس وجوهنا القديمة في كل مرة نظن فيها أننا تقدمنا للأمام. الحداثة ليست “مولاً” تجارياً، بل هي جراحة مؤلمة إنها جراحةٌ قيصرية في وعيٍ مأزوم، لا يزال يركعُ أمام سوط الجلاد، ويُسبّحُ بحمدِ صاحب الحظوة، ويقدّسُ بريق الكرسي، بينما يرتجفُ رعباً من نسيم الحرية.

اترك رد