جهد المُقل في تبرئة يوسف عليه السلام من الهمّ المُخل (1 يتبع)

بقلم: محمد بوقنطار [email protected]

كنت أناقش مع أحد المهتمين من المقربين قضية عصمة الأنبياء من عدمها، مستفصلين قدر الإمكان وجهد المقل في ما يجوز في حقهم عليهم صلوات الله وسلامه وما لا يجوز، وما يمتنع أو يصح أن يُضاف إلى سيرتهم من أحوال بشرية في شقها المتعلق بالخطأ، متقيّدين في هذا التجاسر والفضول المعرفي بما ساقه القرآن الكريم، وما اشتملت عليه السنة النبوية الشريفة من سياقات ـ لها وسائط نقلها من العلماء المعتبرين ـ تذهب مذهب أنهم بشر، ولكن ليس كسائر البشر، بل يوحى إليهم، وهم المصطفون الأخيار، يتفاضلون في دائرة الفضل وهم الإخوة لعلات…

ولقد استدل صاحبي في بعض منعطفات النقاش ـ ولم يخرج استدلاله عن منطق الإخبار إلى مخرج

 المناكدة لي والموافقة لمضمون الاستدلال ـ بما جاء في بعض مداخلات السيد مصطفى بوهندي أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وقد حلّ يوما بل أياما وليالي ضيفا له اعتباره ووزنه المتماشي مع السياسة العامة، والمتماهي مع الموقف الرسمي لقناتنا الثانية من الإسلام ونبي الإسلام وقرآن المسلمين، وكذا ما خطته يمينه من سواد في الجريدة الإلكترونية “هسبريس” من أباطيل جاء مقاله المعنون بـِ “لا عصمة للأنبياء…ومحمد له أخطاء بشرية كثيرة” مشحونا بها حد الغثيان، وهي أباطيل تأتي في سياق موبوء له أدواته التي تزيد الداء غطرسة واستقواء على الجسد الذي نُعت يوما بالمتراص، ثم دارت دولة الأيام لينعت بالرجل المريض.

لقد صار كل شيء من ديننا على أرضية مُشاع، يتم تشريحه في عبث وصفاقة على طاولة الشك الديكارتي الجرداء، حيث فقد المتعاطون بوصلة التخصص، وصار الكل من الناس يتعاطى بقلم فاقع الاحمرار مع الكل من نصوص الشرع، واقتحمت عقبة المحظور فلا مقدس أصبح له اعتبار، ولا مدنس صار له احتقار…

يا ليت موضوع عصمة الأنبياء فُتح النقاش حوله تحت طائلة الحاجة العقدية، التي تصاحبها براءة الذمة المعرفية ولو في فضول، ولكنها أبواب ـ هذا واحد منها ـ تُطرق في إصرار ليشره وصيدها وقعر قعر داخلها أمام الوافدات التفكيكية الغربية، حتى لا تنفك بشرية الرسول عن مقام الإرسال، ومن ثم يسوغ للغائر المتهجم التصوّل بين دروب الأحكام حاملا معول هدمه ونسفه ونقضه لما يخالف المبادئ الكونية المقررة في مكر ومخادعة من ذوي سبّابة الفيتو، من أحكام شعائرية وشرائعية لا تتماشى والهوى الغربي وأنفاسه المارقة…

لقد طُوي ملف النقاش يومها وقد تفرع بنا الحديث حتى تلبستنا، وتلبسنا بمسلاخ المؤامرة، وذهب ذلك اليوم وجاء آخر على بدء متكرر، وكاد رماد الموقد الأول يفقد سخونته، إلى أن جرّني إلى النفخ في كانونه استدراك جاءني من نسمة الصلب وقد كان الزمن، زمن إقبال على الامتحان الجهوي للسنة الأولى بكالوريا من الموسم الدراسي 2019/2020 عندما باغتتني بنيتي “فاطمة” وهي منكبة في إطار التحضير والاستعداد لاجتياز هذا الاختبار الذي صار على مشارف نوايا التلاميذ وهواجسهم، منكبة على سورة يوسف حفظا ووقوفا على معاني آياتها الكريمات، باغتتني باستدراك في ثوب استفهام  مفاده، لطالما أبي سمعت منك أن الولاية لا تطلب، مذموم طالبها، فكيف يطلبها واحد من المقطوع لهم بالعصمة عليه السلام؟

ثم استطردت قائلة أنه قد جاء في القرآن ما يفند الزعم والدعوى، ويقر بما يقابلهما من جُعل مرغوب فيه، يصدقه قوله جل في علاه على لسان يوسف عليه السلام “قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”.

فأجبتها موجها في لطف تقتضيه لازمة الأبوة قائلا في إقرار : إن إعمال السياق كلِّه يؤكد أن يوسف عليه السلام لم يطلب الولاية ولا اختارها، إذ لو اختارها لحظي بالامتياز ملبّيا رغبة الملك، ولكان حينها مكينا أمينا مستخلصا في ذمة الملك بين أروقة ديوانه مقربا، يُستشار في جِلِّ الأمور الملكية ودِقِّها، مصداقا لقوله تعالى : “وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي”

إنه في مقابل هذا الطلب المغمور في بحر الامتيازات فضل عليه السلام وآثر الابتلاء والمرابطة على خزائن الأرض مستشفعا بين يدي مسألته بصفتي الحفيظ العليم، وهاتان الصفتان لهما مثيلهما من قول إحداهما عن موسى عليه السلام “يأبت استئجره فإن خير من استأجرت القوي الأمين”، وذلك الذي كان فقد مكث عليه السلام كحارس يُدير ويدبر بحكمة وحنكة وعظيم أمانة أزمة  السبع العجاف الشداد، يفرق بالعدل والسوية ما زرعه الناس في سبع سنين دأبا، وقد أُمروا أن يذروا جلّه في سنبله، إلى حين مجيء ذلك اليوم الذي فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون.

ولا جرم أن ما استدركت مستفهمة لأجله الابنة في هذا السياق الاستفساري، الذي يتناسب وسنها من عفوية وصدق إقبال وملاحظة، لَهُوَ، هو، في سياقات أخرى ومناسبات متكررة، يتم ويمرر في مناجزات سياسية، يعمد فيها السياسي غير الحفيظ ولا العليم وهو يسوِّغ لنهمه السلطوي، ويُواري عشقه حد الوله لكراسي تمثيل وإدارة الشأن المحلي أو العام ـ من نَضَارة ما بعد المهد إلى جَعَادة ما قبل اللحد ـ مستشفعا في خشوع وإنابة برغبة ومطلب سيدنا يوسف عليه السلام : “قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”، مقتنعا ومُقنعا نفسه وغيره، زاعما أن هذا إن كان في نبي فهو في من دونه من جهة الإقبال على الدنيا بالغ نصاب الأَوْلى والقبول، ولعله زعم لا يوافقه الشرع وقد جاء في صحيح السنة ما يذهب مذهب الكراهة بقيده، إذ ورد في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :”يا عبد الرحمن بنَ سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِّلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها”.

وإنّما كان من الإنصاف أن تربط الكراهة بقيدها منافاة للإطلاق في هذا الخصوص، سيما وقد جاء في السير ما يفيد على سبيل التمثيل لا الحصر أن صلاح الدين الأيوبي ـ وهو من هو في الصلاح والورع والحفظ والأمانة ـ قد تولى الوزارة في الدولة العبيدية، وهي من هي في الخبث والكيد للإسلام والمسلمين…

إنني لست من أهل التفسير، ولا مُقام لي بينهم، ولكن ما تربّيت عليه من عقيدة صحيحة، تعلّمت من أصولها واجب توقير وتعظيم الأنبياء والمرسلين ثم الأمثل فالأمثل، فما فتئتُ أنظر من وراء منظارها الفاقع البياض، أوجس خيفة، وأستنكر استغرابا من الكثير مما شُحِنت ومُلِّئت به بعض كتب التفسير من أخبار واهية، وأباطيل منكرة تحوم حول حمى قصة يوسف مع امرأة العزيز، وهي أباطيل وخرافات بقدر ما شطّ بها قلم الأوّلين، زلت وضلت بها أقدام وأفهام وأفمام بعض المتأخرين من الخطباء والدعاة والوعاظ تبعا.

لا تزال الاستفسارات في ضراوةِ ترادفٍ يُسابق كمُّها كيفَ أبحث وأنقب كي أجيب نفسي أولا، حتى أستريح من هذا الكمِّ المقلق الذي يحتل ناصيتي في شغب لا يُسكت أنينه ووخزه إلا مفازع وملاذات العقيدة الصافية، التي تحوِّل هذا الكم من الترهات إلى زبد، تمجه الآذان في استقباح وترده الألباب والأذهان في استنصاح فيذهب غثاؤه جفاء.

ياللهول، يا للكارثة، كيف لبعض المفسرين أن تسوّل له نفسه ـ في غير قصد مدخول طبعا ـ نقل مشهد آثم وتجلية ظلم غاشم، يؤرخ فيه تفسيرا لخاطرة “الهمِّ” زاعما أن يوسف عليه السلام حلّ رباط سرواله ثم جلس من امرأة العزيز مجلس الرجل من زوجه، ثم ما يلبث أن يرى صورة أبيه عاضا على سبابته، فيقوم عنها ويتركها خجلا من أبيه…

يا له من تصوّر مريض لا زمام له ولا خطام، إذ كيف لمن في قلبه ذرة توقير لمعشر الأنبياء والمرسلين، وقد نشأ على ملة من أصولها عدم التفريق بين الرسل “لا نفرق بين أحد من رسله”، كيف له أن يذهب به خياله فيتشكل عنده هذا المشهد الآثم، وقد حلّت بنفس يوسف المطمئنة ضروب من الهميان، حتى جلس من امرأة تحرم عليه بكل الشرائع محل الختان.

لقد حضرتُ يوما صلاة جمعة عَمَدَ فيها بعض الأفاضل من خطباء مدينتي التي أقطن بها “سلا المغربية” إلى استعراض ما اجتمع من أقوال المفسرين في تصريف قضية الهمِّ، ويا ليت الاستظهار لم يتجاوز به صاحبه سقف الحكاية والطرح، ولكنه وللأسف الشديد بعد استظهار عوارض الأقوال، رجّح في حضرة مريدي خطبته ـ وهم ليسوا على نسيج واحد في العقيدة والسلوك والفقه ولا درجة واحدة في الفهم والاستماع ـ رجّح القول الذي ينتصر لمُعطى بشرية يوسف عليه السلام، فلا ضير ولا غرابة ولا عيب أن يكون قد مال إليها فيكون همّه من جنس همِّها، ناسيا أو متناسيا في غمرة هذا النوع من المغامرة والارتجالية أن الكلام هنا في مقامٍ صاحبه من الأنبياء المكرمين، وعباد الله المخلصين “والله أعلم حيث يجعل رسالته”.

ولنبدأ هذا الغيث بأول قطراته…(يتبع)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.