رياضة الأجساد ورياضة الأفكار في مغربنا المعاصر المستقل؟؟ ح.2

بقلم: د. محمد وراضي
فما الذي يحدث عندما توقف السلطات جريدة بعينها، حزبية وغير حزبية، لفترات محددة؟
بخصوص الجرائد الحزبية، يكون بمقدور الحزب التي هي لسانه، أن يتحمل مسؤولية دفع مستحقات موظفيها إلى حين إطلاق سراحها. أما عندما يتعلق الأمر بجريدة مستقلة، فمديرها إما أن يتحمل دفع أجور أعوانه لفترة، وإما أن يلتمس منهم مساعدته بالصبر ريثما تعود الأمور إلى حالها. تكفي الإشارة إلى أن مدراء مستقلين، قد يجدون وظيفة أخرى، ويجدها بالمثل من كانوا معهم. وإن جرى الحديث ويجري عن مهنة المتاعب، فإن المتاعب تلك يتم للصحفيين تحملها مرغمين مكرهين. وقد عرفنا صحفيين مضطرين إلى التحمل، وإلى تغيير العمل بصحيفة إلى العمل بصحيفة أخرة غيرها، ناسين أيديولوجيتها أوأيديولوجيتهم، أو كان العكس هو الصحيح. بل ووقفنا على حقيقة أخرى، هي عدم حمل بعض الصحفيين، لا لأيديولوجية حزب ما، ولا لأيديولوجية شخصية، كل همهم الحصول على مدخول مادي محترم.
وكشف جوهري متسلسل، لا بد من التعريف به، إنه التبعية الضرورية التي يفرضها مدير جريدة أو مجلة على المشتغلين معه، لكنه هو أيضا، مفروض عليه الإصغاء لأوامر تأتيه من الأعلى، بحيث إن الحرية الصحفية التي يرى المخدوعون أنها موجودة، مفقودة لدى مدراء وسائل الإعلام وأتباعهم من الصحفيين. فمنذ زمن ونحن على دراية بهذه الحقيقة التي لم أنج شخصيا منها بحجج دامغة أتوفر عليها. وهنا أقدم لكم بعضا مما أعرفه منها باختصار شديد، وبحجج واضحة كل الوضوح.
1ـ عندما صدر لي عام 2008م كتاب “عرقلة الفكر الظلامي الديني للنهضة المغربية”، قدمت نسخة منه إلى صديقي حسن أربعي مدير جريدة “أصداء”، وكان أن نشر مساعده تحليلا للكتاب في حلقات، ولما تم تحرير الحلقة الثالثة، وعد بتحرير الحلقة الرابعة، لكنه لم ينجز وعده للقراء، فتوقف عن النشر، وكان أن ذهبت إلى السيد أربعي لاستفساره عما جرى، فرفض حتى مقابلتي معتذرا بكثرة أشغاله، وأدركت من كيفية حديثه معي شيئين: إما أن يتلقى أوامر سلطوية للكف عن الإشادة بما في كتابي، وإما أن تكون الجهات الطرقية هي التي أوعزت إليه أن يقف عن التعريف بكتابي المذكور؟
2ـ بعد مضي شهرين تقريبا عن صدور الكتاب (موضوع القضية؟)، حضر إلي ثلاثة رجال أمنيين، تتفاوت أعمارهم كما هو بين من سحنات وجوههم، فطلبوا مني أن أعطيهم ملخصا عن الكتاب، وسألتم عما إذا كانوا قد اطلعوا عليه أم لا؟ فأجابوا بالإثبات، لكنهم أصروا على أن أقدم لهم شخصيا ملخصا عنه، فقلت لهم على الفور: لو خرجنا الآن إلى الشارع وقابلنا أيا كان وطرحنا عليه هذين السؤالين، أو لا تعتقدون بأنه سوف يكون في أجوبته معي لا ضدي. والسؤلان هما “ما الأفضل في الدين: قول الرسول وفعله وتقريره؟ أم قول وفعل وتقرير غيره فيه”؟ وهما نفس السؤالين اللذين نوجههما حتى الآن إلى كافة الوزراء والمسؤولين الحكوميين.
3ـ كنت مرة ضيفا على الجريدة الإلكترونية هيسبريس، حيث تم توجيه أسئلة لي متعلقة بالدين، منها رأيي في وزير الأوقاف أحمد التوفيق. وكان أن أجبت على السؤال الأخير بأن الرجل ضعيف في الدين، وأنه مؤرخ لا عالم. ويبدو “أن مدير الجريدة وجه إليه التحذير من مقالاتي بعد أن أصبحت ردود الفعل على أفكاري الدينية مقبولة لدى القراء داخل المغرب وخارجه. فشعرت بأنني محاصر، وأن وزير الأوقاف يتحاشى معرفة ما أكتبه عن الدين، ولصديقي وأستاذي الدكتور محمد الرواندي رحمه الله، فضل إخباري بما يدور بين الوزير وبينه بخصوص كل ما له صلة بآرائي في الانتقاد العقلي والنقلي للدين الذي أصيب في ماضينا وفي حاضرنا بمزيد من التحريف والتشويه.
4ـ عندما تفضل السيد رشيد نيني بنشر طرف من سيرتي الذاتية أواسط عام 2018م، كنت أنوي في نهاية سردي للأحداث السياسية التي عانيت منها وقاسيت، أن أوجه انتقادا لاذعا إلى مسمى الحكومة الإسلامية، حيث إنني أخبرت بما أنويه الصحفي المقتدر الذي أزوده بمعلوماتي الخاصة. ولما أنجزت ما نويت إنجازه، وبعثته إليه عبر البريد المحفوظ، لم يقم – للأسف الشديد – بنشره، ولا تم له الاتصال بي وإن كنت أهاتفه مرارا وتكرارا؟ وخطرت ببالي أفكار سيئة، مع أن الرجل لطيف ووديع، إلا أنني مع مرور الوقت، أدركت كيف أن نظراءه من اللطفاء والوديعين، يتعرضون إلى ما يمارس عليهم من ضغوط، من طرف مدرائهم المتحولين لأجل العطاءات السخية، من أيديولوجية إلى أخرى، إن هم تجنبوا نشر فكر لم يجد لدى كبار المسؤولين أي ترحاب يذكر؟ فصح أن الصحفيين الفضلاء طالما كانوا ضحايا للمغرضين الماديين؟ ولما لم يجدوا غير الخضوع، فلكونهم مضطرين لضمان خبز القمح أو خبز الشعير على أية حال؟
الدكتور محمد وراضي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.