عن واقع المعتزلة في الماضي وعن واقعهم في حاضرنا الماثل؟ ح.10
بقلم: د. محمد وراضي
إن كان تمجيد العقل واعتماده والرفع من قيمته لدى المعتزلة المعاصرين، عبارة عن علم يرفعونه على قبور الموصوفين بالرجعين المتخلفين، الأموات منهم والأحياء، هؤلاء الحماة للأفكار الظلامية إلى جانب الأنظمة القائمة: ليبرالية أو اشتراكية، فإن معتزلينا المنطلقين منذ العهد الاستعماري، والمتطورين فكريا في العهد الموسوم بالحرية والاستقلال، تجاوزوا المعتزلة القدامى في التعامل مع الدين. فحتى إن كان هؤلاء متدينين دون أن يتحولوا إلى ملحدين، فإن المعتزلة المعاصرين قطعوا سياسيا كل صلة لهم بالدين كي يبرهنوا بأنهم مخلصون للحداثة والعصرنة؟ فبلغت بهم كراهيتهم للدين إلى حد اتهامه بالتخلف والظلامية! يكفي التذكير برئيس تونس الراحل: حبيب بورقيبة. فعنده أن الرسول ص يدعو الناس إلى عبادته؟ وهو مجرد إنسان ملأ مسمى القرآن بأساطير كان يجمعها في جولاته عبر الصحاري والقفار، بحيث إنه – في نظرنا – أول من وصف الله بالجهل والظلم، ثم تتلمذ عليه باقي العلمانيين بدول المغرب العربي على الأقل. فإن استنكر الزواج بأربعة، والإرث الذي فيه للذكر مثل حظ الأنثيين؟ فإن معتزلة القرون الأولى لم يتجرأوا على ما تجرأ هو عليه، فصح أن القول بالثقة في العقل والأهواء وحدهما، من اجتهادات معتزلة القرون الأخيرة؟ والحال أن هذا الزعم دون الاهتمام بمضامين الرسالة المحمدية الخاتمة، مما يشكل عودة إلى الوراء التاريخي، أو رجوعا إلى عصور الجاهلية الموروثة.
وحتى يتضح مفهوم الجاهلية الذي غاب عن الكثيرين إدراكه، نوضح كيف أنه استبعاد جضور الربوبية والألوهية في التفكير البشري؟ ولكي لا نتهم بأننا نحتال على الواقع الخاضع لفكر منطقي غاية في الدقة كما يدعي معتزلونا الحاليين، فلنحلل بعضا من الأدوات التي شهدها القرن الميلادي الذي ولى، وبعضا من الحوادث المنسوبة إلى مطلع الألفية الثالثة. نقصد سلوكيات البشر الأفقية. هذه التي تضعنا وجها لوجه أمام همجية رعناء؟ حيث التبجح بمبادئ إنسانية أممية… يتقدمها التسامح والحرية والكرامة، واحترام كافة التراث. غير أن هذا الرباعي حلت محله المواجهات الدامية التي أسفرت عن آلاف المفقودين وملايين الجياع، وملايين المهجرين، وملايين المتعرضين لأنواع من الأمراض والأوبئة، إضافة إلى ما تم هدمه من مدارس، ومن معاهد، ومن كليات، ومن مستشفيات، ومن قناطر، ودور، وعمارات، وآثار الجدود أوالأجداد؟؟؟
وعندما نتحدث عن معتزلة عصرنا نحن العرب والمسلمون، فإننا نعني مثقفين أصحاب الأقلام والأفكار التي تبدو في نظرهم نيرة، وفي انسجام تام مع الحكام المعتزلة الدكتاتوريين، لندرك غاية الإدراك أفاعيل شنعاء، لا تصح إضافتها للمعتزلة الأقدمين، ولا لمن تبنوا أفكارهم كحال حكام بني العباس.
وحتى إذا حصل صدام بين معتزلة كحكام، وبين كافة الفرقاء المعارضين، فإن لحمته لحمة علمانية، بعيدا عن استحضار تصورات مأخوذة من النقل بطوله وعرضه، وإن حصل التدخل بنص ديني في حوار أو في مواجهة ما، فإنما لإثارة الانتباه إلى أن المتدخل له يد طولى في أكثر من مجال معرفي.
ففي إحدى الحملات الانتخابية التي سمح فيها لبعض المترشحين بتوضيح أفكارهم السياسية من خلال القناة التلفزية الأولى، ساق علي يعتة قوله تعالى: “فأما الزبد فيذهب جفاء. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”. وفسر الزبد بأنه برامج بقية الأحزاب المغربية، أما برامج حزبه: حزب التقدم والاشتراكية، فوراءه ما ينفع جميع المغاربة؟ بينما قال الراحل عبد الرحيم بوعبيد في محاكمته حين معارضته للحسن الثاني عندما قبل إجراء الاستفتاء بخصوص صحرائنا المستعادة “رب السجن أحب إلي مما تدعونني إليه”؟؟؟ في حين استشهد خطيب الجمعة المغربي، بحضور قادة الدول المغاربية في مراكش بقوله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم وأصبحتم بنعمته إخوانا”.
ونظرا لكونه هو نفسه معتزليا إلى حد ما وبمعنى، فإنه لم يجرؤ على سرد بقية الآية فيقول: “وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون”.
وبما أن الإمعة موروث مذموم عن معتزلة الأمس الذين لم يعتزلوا الدين كمعتزلة اليوم، فإن هؤلاء وجدوا في الدين فرصة للتضليل سانحة. إذ بمناسبة انعقاد مجلس الشورى المغاربي برئاسة علي يعتة، زعيم الحزب الشيوعي الذي أرغم على تغيير اسم حزبه الموروث عن اليهودي ليون سلطان! افتتح التجمع الذي سوف يعرف نفس المصير الذي عرفه كل لقاء عربي مهما يكن الإسم الذي يحمله؟ افتتحه بقوله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا”.
يعني أن الإمام خطيب الجمعة بتاريخ 17/2/1989م، أي منذ 30 سنة اعترف بأن قادة الدول المغاربيين، يتبادلون العداء! ثم اعترف رئيس حزب التقدم والاشتراكية بأن النخبة المغاربية والقادة سواء؟ وأن العداء المتبادل بين الأطراف تذكير بما كان يدور من حزازات وضغائن بين قبيلتي الأوس والخزرج قبل ظهور الإسلام. فكان أن ذابت القبيلتان في الدين الذي جاء للتوحيد لا للتفرقة. إذ الاعتراف بوجود العداء لا يحل مشكلة، ولا يعني عودة واصل بن عطاء إلى حلقة الحسن البصري. ما دام الميل إلى التعالي آخذا بتلابيب من أصبحوا معتزلة بالمفهوم الجديد الذي يعني قطع الصلة بالدين لأنه لا يخدم غير مصالح الدكتاتوريين؟؟ وما عرفته سوريا من قصف للمواطنين ومن إغراقهم في الدماء؟ وما عرفته مصر من همجيات يمارسها الحكام الطواغيت؟ وما تشهده اليمن من دمار بزعامة من يوصف بكونه إمام الحرمين؟ وما تعرض له الشعب الليبي بدعم من الإمارات والسعودية، ومصر؟ كلها علامات على أن قادة هذه الدول على وجه التحديد، اعتزلوا دين الله؟ هذا الذي أصبح عندهم عدوا وحيدا في الوقت الحالي، إلى حد أن الدكتااور المصري السفاح أرجع – أمام الرأي العام الدولي – كل ما عرفه ويعرفه العالم من ألوان الإرهاب إلى الإخوان المسلمين الموجودين في كل مكان؟ مما يعني أن الإرهاب بصريح العبارة، مصدره الإسلام لا أية ديانة أو فلسفة أخرى؟؟؟
د.محمد وراضي
