قوة عبدالإله بنكيران السياسية..

بقلم: يونس فنيش

حسب ما يجري في الساحة السياسية في الآونة الأخيرة من تراشق بين هؤلاء وهؤلاء، والتحاق بعضهم ببعضهم و تكثلهم ضد طرف آخر لأتفه الأسباب أو لأسباب خفية… الملاحظ أنني كنت على حق لما كتبت في مقال “تأمل وطني في الأوضاع” -جريدة بالواضح الإلكترونية- ما يلي :” بنكيران لم يحقق نجاحات على أرض الواقع كرئيس للحكومة، بل تسببت سياسته في نهاية المطاف في إحباط عام، ولكنه ظل يملأ الحياة السياسية التي تأبى الفراغ، و الدليل استمرار انتقاد كل كلمة تلفظ بها قبل، و أثناء، و أيضا بعد ولايته الرئاسية.”

أولا و قبل كل شيء، لابد من التوضيح بأن لما يمارس أحدهم السياسة في إطار الحق الذي تمنحه الديمقراطية، المهم أن يحترم قواعدها، و أما مسألة احترامه لتلك القواعد لا علاقة لها بمدى صدقه أو بدرجة صفاء نيته، لأن ذلك يتعلق بالباطن الذي لا يعلمه إلا الله، في حين أن النقد في المجال السياسي يهتم بالظاهر فقط. حسنا.

ولكن، و بكل موضوعية و شفافية، لم يسبق أن توفرت ساحتنا السياسية على سياسي بقوة عبد الإله بنكيران شئنا ذلك أم أبينا. فلقد كان الرجل يقود حزبه في المعارضة بذهاء و بكفاءة سياسية قل نظيرها إلى أن أصبح رئيسا للحكومة مستغلا الربيع العربي، فلم يكن أداؤه مرضيا بالنسبة لعدد من النقاد المعتبرين المحايدين. ثم ترشح مع حزبه لولاية ثانية، ورغم تظافر جهود قوى متعددة ضده وضد حزبه، من كتاب ونقاد ومتخصصين معتبرين وجمعيات إلى آخره..، استطاع أن ينتصر وأن ينجح في الإنتخابات للمرة الثانية على التوالي.

و لما انهزم حزبه في الإنتخابات الأخيرة ولم يحصل سوى على 13 مقعد في البرلمان بعدما كان يتوفر على 129 مقعد ظل يحظى باهتمام الجميع، سواء كانوا من أصدقائه أو من خصومه، كما ظل الكل ينتظر تصريحاته كما لو كان حزبه هو الحزب المعارض الأول أو كما لو كان يحتل المرتبة الثانية مباشرة بعد حزب الأحرار.

ولذلك يتساءل الكثير من الناس كيف لهذا الرجل أن يصمد بهذه الطريقة الشبه أسطورية، و كيف له أن يستطيع إنعاش الساحة السياسية نسبيا بعد طول ركود، ورغم كل ما راكمه حزبه من إخفاقات على كل الأصعدة، و بعد استغلال تلك الإخفاقات من طرف خصومه بجميع الوسائل المتاحة إعلاميا وغيرها، وبعد أن انتهت مهمته على رأس الحكومة؟

للجواب على هذا السؤال بموضوعية، يجب ترك مسألة التوجه السياسي الشخصي، إن وجد، و الراي الشخصي جانبا، و ترك الأداء السياسي للأحزاب عامة و قضية المرجعية جانبا كذلك، سواء كانت محافظة أو حداثية، أو ليبيرالية أو راديكالية، لأن مشكلة الوفاء بالوعود و ما يقال بأنها إكراهات لا مفر منها، مشكلة تهم السياسيين بجميع أطيافهم و ليس حزب المصباح وحده. طيب.

السر وراء النجاح السياسي الذي مازال الأستاذ عبد الإله بنكيران يحققه في الساحة السياسية الرسمية يكمن في تكوينه السياسي في الميدان على مدى عقد و نصف العقد من الزمن و قدرته على التعامل مع سيكولوجية الأفراد و الجماعات و التجمعات، بالإضافة طبعا إلى موهبته الكلامية التي تتماشى مع فئات عريضة من المجتمع المغربي و تقربه منهم، من جهة، و كذلك لعدم توفر بديل له لتنشيط الدورة السياسية التي لا يجب أن تتوقف، من جهة أخرى.

قوة بنكيران تكمن في ذهائه السياسي بالأساس و لا يستمدها من حزبه، كما أنه الوحيد ربما الذي يتوفر على صلابة نفسية رهيبة تسمح له باحترام فلسفة الديمقراطية، إذ أنه بعد أن كان أول رئيس للحكومة يقابل العظماء، و بعد أن أصبح رجل دولة، قبل أو استطاع أن يعود لمناقشة أشخاص بسطاء من الإعلام الخاص أو المستقل و بعض اليوتوبر من عامة الناس المشاهير نسبيا، و أن يتفوق بامتياز في ذلك، و هذه سابقة عندنا لم تكن تخص سوى الدول الديمقراطية المتقدمة جدا…

أقترح هذا المقال للنشر علما أنني أعتبر أن السيد عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة سابقا، خذل عددا من الناس النزهاء غير المنتمين لحزبه و الذين لم يكن لحزب المصباح أن ينتصر في انتخابات ما بعد الربيع العربي لولاهم، أقترح هذا المقال للنشر رغم كون مصلحتي التي تكمن في إنصافي و رد الإعتبار إلي، بعد 20 سنة من الإنتظار، لم تعد بيد الأستاذ عبد الإله بنكيران بل بيد أشد خصومه المباشرين اليوم، الأساتذة الإعلاميين الجدد الذين يستطيعون التعريف بقضيتي مجددا، ولكن التاريخ يجب أن يكتب بمداد الحقيقة و الصدق، و كل شهادة لها رقيب عتيد. و الله المستعان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.