أحداث عالم اليوم بين إيران والغرب والحكام العرب؟ ح.2
بقلم: د. محمد وراضي
استطاع الأمريكيون إذن تأليب الحكام العرب قاطبة ضد الثورة الإيرانية الوليدة، لا غيرة منهم على المذهب السني مخافة القضاء عليه، بعد أن وقف صامدا لقرون وقرون، في وجه مختلف الفرق الدينية والعصبية والسياسية، دون أن يلحق أي تغيرر عميق بقناعات أهل السنة والجماعة، لا على مستوى العقائد، ولا على مستوى العبادات، ولا على مستوى المعاملات التي هي منحصرة في: الأخلاقيات، والأحكام الشرعية العملية القطعية الثبوت والدلالة.
ليكن واضحا إذن أن الغيرة على المذهب السني ليست هي التي حملت الاستكبار الأمريكي الطاغية، على تنبيه الخليجيين والسنيين أينما وجدوا إلى خطورة المذهب الشيعي حتى لا ينتصر على مذهبهم الديني المعتدل؟ وإنما رغبته التي لا تحد، هي التحكم في منابع النفط من جهة، وضمان أسواق مفتوحة لبيع ما تنتجه مصانعه من أنواع الأسلحة ومن طائرات مدنية ومن سيارات فارهة؟
فكان أن هب الحكام العرب إلى الترويج لما يعتبرونه مذهبا سنيا بوسائل، من بينها المحطات الإذاعية والتلفزية، حيث يتم تشغيل آلاف من مرتزقة مسمى أشباه العلماء؟ أو علماء السوء؟ أو علماء السلاطين؟ فضلا عن المراكز الثقافية والمساجد التي يبنيها هؤلاء الحكام، كمراكز لترويج المذهب الديني الذي على شعوبهم وجوب الارتباط به؟
لكن التمدد الإيراني لم يكن لغاية الترويج للمذهب الشيعي؟ وإنما لتقوية بواعث الثورة – من منطلق ديني – على الحكام المستبدين في العالمين العربي والإسلامي؟ ومن هنا شاع التخويف من امتدادات الثورة الإيرانية، لا من امتدادات الأفكار الشيعية وضوابطها وممارساتها؟
وهنا أتذكر مقالة جيدة هادفة لأخينا الراحل: محمد البشيري التي كتبها في عدد من أعداد مجلة “الجماعة” التي كان الراحل عبد السلام ياسين يديرها، وكانت المقالة تحمل عنوان “إيران والأنوف راغمة”؟
ولم يكن رحمه الله يرسل الكلام على عواهنه، فقد اتفقت معه على أن الأمر يتعلق فعلا بتحريك الهمم أو العزائم للتخلص من دكتاتوريات، هي في الظاهر والباطن، صور طبق الأصل للدكتاتور المتجبر الذي تخلص منه الشعب الإيراني بإرادة لا تقهر؟ هذا الشعب الذي تولى فقهاء دينيون حكماء قيادته؟ فإن أن صمد أمام مؤامرة عالمية لثماني سنوات؟ دون أن يضع الخميني يديه ساجدا أو راكعا، لحلف ضمنه بعض الحكام المسلمين والعرب؟ فكان أن نجحت الثورة الإيرانية بقيادة علماء! أصحاب العمائم والجلابيب واللحى المسبلة! لا بقيادة شيوعيين أو اشتراكيين؟ فصح أن الأنوف راغمة بالفعل؟ ولا تزال هذه الأنوف راغمة، بدليل رفض الخضوع والذل والهوان والمهانة، والتبعية العمياء، والاستسلام المشروط واللامشروط؟؟؟ فكل المؤامرات التي تحاك ضد إيران الثورية – كما نرى – مآلها الفشل الذريع؟
وعندما نستطلع النتائج مما قدمناه، ننتهي إلى ما يلي:
1ـ كانت إيران – والحلف العربي الغربي مصر على إقبار ثورتها في المهد – عاكفة على التصنيع الحربي، مما قوى اعتمادها على نفسها لإفشال العدوان المشترك ضدها.
2ـ خرجت من حرب الثماني سنوات بعبر، في مقدمتها وجوب توفير كل ما تتطلبه المواجهة من عتاد حربي.. ففتحت ورشات لكل ما له صلة بالحرب الجوية والبرية والبحرية، دون أن يصيبها ملل أو كلل، وكأنها في حرب دائمة مستمرة؟ بالرغم من كون سيف العقوبات الأمريكية وحلفائها مسلطا عليها باستمرار دون توقف؟؟؟
3ـ كانت أمريكا وراء إحداث مجلس التعاون الخليجي، هذا الذي سوف يساهم – كما تتصور – في فرملة المد الثوري الإيراني، وبالتالي سوف يملك فرملة أي تمدد سياسي لها في المنطقة. ثم تبين أن المجلس الذي أحدث لهدف كبح الطموحات الإيرانية، لم يحقق ما تقتضيه صلابة الوحدة وضوابطها وأداء ما هو مخطط لها، بل إن ما حصل هو الحال الذي نشاهده اليوم بالصور على مختلف القنوات الفضائية، كما حصل تحلل أخلاقي وديني وسياسي وقانوني، فقد اطمأن قادة المجلس إلى كون عروشهم أمريكيا محمية؟ فليتمتعوا بحياة اللذائذ التي لا يكدرها عليهم مكدر؟ فسلطتهم قاهرة لشعوبهم، التي تبدو وكأنها مرتاحة للاستسلام الذي يفسر رسميا بأنه قدر لا مفر منه؟ فكان أن أطلقوا أيديهم في خيرات بلدانهم التي مكنتهم من الانصراف إلى اللهو، داخل شبه الجزيرة وخارجها، فصح أن كهوف الليل في مختلف دول العالم، قد قتلت ما بقي لهم من مروءات؟
4ـ بدلا من تكامل أعضاء مجلس التعاون الخليجي، عرفناهم مستسلمين للأهواء، من خلال خضوعهم للاستكبار الأمريكي؟ ومن خلال سلوكهم الطائش المعروف عبر العالم كله؟ ومن خلال التباهي بمنجزات جلها خيالي مفتعل؟ ومن خلال التآمر في أكثر من محاولةعلى دولة قطر للاستيلاء على خيرات شعبها، وأهمها الغاز والبترول؟
5ـ بينما كانت يقظة الإيرانيين تضرب ألف حساب لما يحدق بهم من مخاطر، مصدرها الاستكبار الدولي وخصوم الثورة الإسلامية التقدمية؟ يكفي أنها قطعت خطوات موفقة في درب الصناعات النووية والعسكرية، إلى حد أن خطواتها تلك، دفعت بالخصوم دفعا إلى التفاوض معها للتوقف عند حد معين من التصنيع النووي لا تتجاوزه؟
6ـ يبقى من ضمن الخرجات أن نوضح وضعين محسوسين بالعيون والعقول، مع أدلة لا يمكن بأي حال دحضها:
أـ كون حكام العرب من المحيط إلى الخليج في واد، ومذهب أهل السنة والجماعة في واد آخر؟؟؟
بـ كون الإيرانيين ينفذون فعلا على أرض الواقع قوله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”؟ بينما الدائرون في فلك الطاغوت الأمريكي مستسلمون للرعب والخوف والتردد والحيرة؟ مع متمنياتهم بإلحاق هزيمة منكرة بدولة إيرانية إسلامية مجاهدة.
وهاتان النقطتان الأخيرتان سوف نتناولهما تباعا في حلقتين قادمتين بحول الله.