الجباري يردّ على أطروحة “حرب المصاحف” وقراءتها الماركسية للقرآن
بقلم: عبدالله الجباري
حرب المصاحف؟
هل المصحف الموجود حاليا هو القرآن الأصلي أو القرآن المتطور؟
تابعت باهتمام حلقة برنامج في ضفاف الفنجان التي استضافت الآستاذ الماركسي محمد الناجي، وهي الحلقة التي دار النقاش فيها حول كتاب الأخير المعنون بـ[حرب المصاحف la guerre des corans]، وقد أثارني كمّ المغالطات والخطاب غير العلمي حول مسألة المصحف وتاريخه، وهي مسألة في غاية الحساسية لارتباطها بكلام الله سبحانه وتعالى.
أول ما يلاحَظ على هذه الحلقة أن المتتبع لها سيخرج بنتيجة واحدة مفادها أن المصحف الحالي هو نتاج تطور، وهذا التطور هو تطور بشري بالأساس، لأنه مرتبط بالصراع السياسي وبالصراع الطبقي، وبالتالي، فإن المصحف الحالي يفقد ربانيته ويفقد تساميه وتعاليه.
وحين يرتبط النص القرآني بالتطور فإنه يفقد قدسيته بالضرورة، ومن ذلك فإنه يفقد مرجعيته في العقيدة والفقه والسلوك، لأنه ليس سوى نص بشري، أو نص رباني خاضع للتطوير البشري.
وبما أن التطوير إذا ارتبط بالنص، فإن النص الأصلي صار خاضعا للتغيير زيادة أو نقصا، وهذا التطور هو ما نصطلح عليه بالضرورة تحريفا، لكن الأستاذ الناجي يصر بأن عملية التطوير ليست تحريفا، وبالتالي لا تحمل صفة نقصٍ أو صفة سلبية، فادعى أن عملية التطوير كانت ضرورةً سياسية، لأن القرآن دستور المسلمين، ولا يمكن للدولة أن تقبل بتعدد المصاحف [تعدد الدساتير]، لذا كان التدخل السياسي لإلغاء المصاحف المتعددة والإبقاء على مصحف واحد أمرا متفهما.
وهذا مجرد شقشقة كلامية لا تستند على ما يسيغ لنا القبول بمحتواها، لأن التطوير في الجوهر هو التحريف، ولا داعي للتفريق بين الأمرين.
الغريب في الأمر، أن الأستاذ الناجي في مرحلة من مراحل البرنامج تحدث عن الفعل الإلهي بمنطق بشري، وكأن الله تعالى وتقدس شخص مثل الأستاذ الناجي، تعالى الله وتقدس الله، حيث يقول الأستاذ أثناء حديثه عن نسخ القبلة بأن الله تعالى تعامل مع النقاش المصاحب لهذا النسخ بذكاء كبير، حيث أنزل آية النسخ [ما ننسخ من آية أو ننسها]، كما أنه تحدث عن آية [يسألونك عن الانفال] فاعتبر نزولها تطورا مبنيا على الصراع الذي كان قبل ضبط مصاريف الأنفال.
وغير خاف على أن وصف الله تعالى بالذكاء، ووصف إنزاله للقرآن بالتطور، يلزم منه بالضرورة القول بالبداء، وهو عقيدة يهودية في الأصل، كما أن الله تعالى وفعله لا يوصفان بالتسامي عن صفات المخلوقات، بل هناك تماثل بينهما، فكما يوصف الإنسان بالذكاء والتطور، يوصف الله تعالى بالذكاء والتطور.
هذا التناقض أو عدم الالتزام الصارم بالمنهج العلمي كان بإمكانه أن يُبدَّد لو كان الصحفي المحاور [يونس مسكين] ذكيا، لكن، مع الأسف، كان الصحفي المحاور ضعيفا مستسلما أمام الضيف، بل تعامل معه بمنطق [علي لي نسماتشي لك]، فكان يتتبع مع الضيف محاور كتابه فيطرح عليه سؤالا لاستدراجه للبوح بما في الكتاب فصلا فصلا، مثالا مثالا، فتحولت الحلقة الحوارية مونولوغاأحاديا، وكانت خلوا من محاور يطرح أسئلة محرجة على الضيف، خصوصا أن الموضوع معقرب وشديد الحساسية.
وهنا نسجل ملاحظات عجلى على المونولوغ الذي استضاف فيه محمدٌ الناجي محمداً الناجي:
الملاحظة الأولى: ذكر الأستاذ الناجي أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت عدة مصاحف، وكانت هناك اختيارات متعددة، حتى صار عندنا ما يعرف بالمصحف المتخيَّر، وهذا غير صحيح، وعبارة [المصحف المتخير] لا وجود لها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن في عهده لم يوجد أي مصحف، ومن آفة الباحثين الذين يتحدثون في غير اختصاصهم أنهم يستعملون مصطلحات غير دقيقة، ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عندنا لفظ [مصحف]، وفي عهد أبي بكر كانت عندنا [الصحف] وليس عندنا [مصحف]، وعهد عمر بن الخطاب كان استمرارا للفظ [الصحف]، ولم يتبلور لفظ [المصحف] إلا في عهد عثمان بن عفان، لذا نقول مطمئنين بأن عبارة [المصحف المتخير] لا وجود لها لا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة أجمعين ولا في عهد التابعين، وأول من نحت هذه العبارة هو ابن عطية الأندلسي من أهل القرن السادس الهجري، وهذا أول دليل على لاعلمية الباحث.
الملاحظة الثانية: ذكر الأستاذ الناجي في البرنامج المذكور أن تاريخ القرآن عرف صراعا بين القراء/حفاظ القرآن والسلطة السياسية، وأن هذه الصراعات كانت دموية في بعض الأحيان، وهذه الصراعات دامت قرونا، لأن القراءات القرآنية لم تتبلور ولم تُفرَض على الجمهور إلا أواخر القرن الثالث وبداية الرابع، وقد عرفت هذه القرون الثلاثة عنفا بين القراء الذين يختلفون مع القراءة الرسمية وبين السلطة السياسية، وقدّم دليلا على ذلك بقوله: عثمان بن عفان قُتل ولم يخرج سالما من الحرب مع القراء.
وهنا تنزل لا علمية الأستاذ الناجي إلى أدنى الدركات، لأن عثمان بن عفان لم يقتل على أيدي القراء، ولا علاقة للقراء بمقتله رضي الله عنه، ولا علاقة لمقتله بالقرآن أو بجمعه للقرآن، وإنما قتله جمع من الثوار قدموا من خارج المدينة، وذلك لأسباب مرتبطة بصلاحياته في تعيين الولاة والتنظيم الإداري، وما قاله الأستاذ الناجي مجرد اختلاق.
الصراع الدموي حول القرآن/المصحف الذي ادعاه الأستاذ الناجي لا وجود له البتة، ولا وجود لوقائع تاريخية تفيده في دعواه.
أما القراءات القرآنية ودعوى تبلورها أواخر القرن الثالث وبداية الرابع، فيكفي أن نذكر منها الآتي:
1 ــ الإمام ورش توفي 197هـ، وهو راوية، والقارئ الذي تنسب إليه القراءة هو الإمام نافع المتوفى سنة 170هـ، وإذا تبين أن كلا من القارئ والراوية عنه من أهل القرن الثاني، تبين خطأ الأستاذ الناجي الذي قال بتبلور القراءة أواخر القرن الثالث وبداية الرابع.
2 ــ الإمام حفص توفي 180هـ، وهو راوية، والقارئ الذي تنسب إليه القراءة هو الإمام عاصم المتوفى سنة 128هـ، وإذا تبين أن الراوية والقارئ معا توفيا في القرن الثاني لزم القول بخطأ الأستاذ الناجي.
ولو تتبعنا تواريخ القراء السبعة والرواة عنهم لبينا بالملموس أن ذ. الناجي مخطئ واهم في أحسن الأحوال، فهل هذا مجرد خطأ في الفهم أم أنه جهل بأدبيات يقحم نفسه في الحديث عنها؟ والمرء إذا تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.
الملاحظة الثالثة: هذه الملاحظة لها علاقة بسابقتها، وهنا قال الأستاذ الناجي بأن ابن مجاهد هو الذي اخترع فكرة القراء السبعة ربطا بحديث [أنزل القرآن على سبعة أحرف].
وهنا تعليقات.
أولها: أن عمل ابن مجاهد لم يرتبط البتة بحديث “أنزل القرآن على سبعة أحرف”، ولم يذكر هذا الحديث في متن الكتاب ولم يشر إليه، ولم يقل بأنني ألفت هذا الكتاب شرحا لذلك الحديث أو شيئا يقارب هذا ويدانيه، وهذه أوهام الأستاذ الناجي كان حريا به أن يُحرَج في شأنها لو وجد أمامه صحفيا محاورا.
ثانيها: أن ابن مجاهد جمع القراءات السبع ارتباطا بأشهر القراء، وهم [نافع ــ عاصم ــ ابن كثير ــ حمزة ــ الكسائي ــ أبو عمرو بن العلاء ــ ابن عامر]
ثالثها: القراءات السبع لا تعني أبدا أن القراءات المتواترة المعتمدةهيالسبع فقط، وابن مجاهد الذي جمعها إنما تعمد ذكر قراءات القراء الأشهر، وذكر أسانيدهم، وضبط أحرفهم وما تفردوا به إلخ. والمعروف أن القراءات القرآنية المتواترة والمعتمدة هي أكثر من سبع، ولا أدل على ذلك ما يعرف بالقراءات العشر.
رابعها: إذا قال الأستاذ الناجي بأن ابنَ مجاهد اخترع القراءات السبع، لزم أن نقول إن الإمام أبا بكر النيسابوري الأصبهاني اخترع القراءات العشر، ولست أدري بمَ ربطها؟فإذا استند ابن مجاهد إلى حديث “أنزل القرآن على سبعة أحرف” كما ادعى الناجي، فهل استند النيسابوري على حديث “أنزل القرآن على عشرة أحرف” مثلا؟
ومعلوم أن ابن مجاهد والنيسابوري كلاهما من أهل القرن الرابع، فالأول توفي 324هـ، والثاني توفي 381هـ،وزاد على الأول ثلاثة قراء، والبرنامج الذي حلّ فيه الأستاذ الناجي ضيفا على محاوره لم يذكر القراءات العشرة البتة ولم يعرج عليها، وهنا احتمالان:
الاحتمال الأول: لم يعرف الأستاذ الناجي هذه القراءات وهذا قصور وضعف في البحث.
الاحتمال الثاني: يمكن أن يكون الأستاذ الناجي على دراية بهذه القراءات العشر، لكنه لم يذكرها حتى لا يشوش على فكرته التي يريد من خلالها ربط القراءات السبع بحديث “أنزل القرآن على سبعة أحرف”.
والاحتمالان معا يدلان على لا علمية الرجل، ولربما لا يتجاوز كونه قارئ ماركسي للقرآن الكريم، لذلك حاول جاهدا ربط القرآن وتاريخه بالصراع الطبقي كآلية من آليات التحليل الماركسي المادي الذي لا يعرف للتعالي الوحياني معنى.
الملاحظة الرابعة: ادعى الأستاذ الناجي أن القراءات السبع في الحقيقة هي قراءة واحدة بنطق مختلف.
ولست أدري متى يحق لنا أن نسمي القراءة قراءةً؟
هل لا يحق وصفها بالقراءة إلا إذا اختلف اللفظ مبنى ومعنى اختلافا كليا؟ هنالك سوف لن نكون أمام قرآن واحد بل سنكون أمام قرآن متعدد.
والواقع الذي لا ينكره الأستاذ الناجي وعامة الماركسيين هو أن القرآن الكريم واحد لا متعدد، وله قراءات متعددة، وهي دالة على عظمة القائل وهو الله تعالى، لأنه بمقدوره أن يقول اللفظ الواحد الذي قد تتعدد قراءته فتتعدد معانيه أحيانا، وهذا ما لا يقوى عليه الإنسان المنشئ للكلام البشري، مثل:
[ملك يوم الدين]، رسمت [ملك] لتُقرأ على قراءتين، إحداهما دالة على المُلك، والأخرى دالة على المِلك، وهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ولو أراد الإنسان أن يبين الدلالتين معا لما استطاع ذلك، ولكان حقيقا به أن يكرر الكلمة مرتين كأن يقول: [ملك مالك يوم الدين]، وهذه دونية في التعبير لا تليق بالكمال الإلهي، أو يمكن أن يكرر الجملة مرتين [ملك يوم الدين ــ مالك يوم الدين]، وهذه سماجة لا تليق بالوحي، لذا كانت العظمة الإلهية والقدرة الواسعة لله تعالى أن يقول الكلمة الواحدة فتقرأ بقراءتين أو أكثر ويمكنها أن تؤدي أكثر من معنى، وهذا ليس قراءة واحدة بنطق مختلف كما ادعى الأستاذ الناجي.
الملاحظة الخامسة: التمحل اللغوي.
يقر الأستاذ الناجي في البرنامج أنه ليس لغويا، لكنه أحيانا يتدخل في اللغة بتمحل وتحكك غريبين، ونورد أمثلة:
المثال الأول: ذكر أن السلطان العلوي كان يخاطب بعض المرسل إليهم بعبارة [محبنا]، وهذا وارد جدا في الأدبيات العلوية، حيث يستعمل السلطان عبارتين، الأولى عبارة “محب جنابنا الشريف”، والثانية عبارة “خديمناالأرضى“، وهاتان العبارتان مستعملتان في الأدبيات العلوية إلى يومنا هذا.
الغريب في الأستاذ الناجي أنه توقف في عبارة [محبنا] حتى وجد معناها بعد بحث، وهو “البعير المريض الذي لا يقوى على القيام”، وهذا معنى صحيح، لكنه ليس المعنى الوحيد حتى نُسقط عليه اللفظ، ولو جارينا الناجي في تمحله لقلنا بأن للحب معنى واحد وهو مرض البعير، وهذا لا يقوله الحمق والبله، فما بالك بباحث ماركسي.
المثال الثاني: مصطلح [الرسم]، وهو الملازم لعبارة [الرسم العثماني] المستعملة في المصحف إلى الآن، ذكر الأستاذ الناجي أن معنى [الرسم] هو الأثر الذي تتركه الناقة، ومنه فهم أن الرسم استُعمل في القرآن للدلالة على “الأثر الذي تركه الوحي”، وبالتالي، فمن يمس الرسم العثماني كأنه مس الوحي.
وهذا تمحل آخر، لأن معنى [الرسم] هو [بقية الأثر] عموما، سواء أثر الناقة أو أثر الدار بعد هدمها أو غيرهما، والرسم بمعناه الاصطلاحي هو المرادف لكلمة [الإملاء] في عصرنا، ومعناه كتابة حروف بناء على أثر، حيث يضع المعلم أثرا في اللوح ثم يتبعها الطالب المتعلم للكتابة/الرسم، لذلك قيل [الرسم = الرشم]، وهذا لفظ مستعمل في اللسان الدارج أيضا.
وبناء على هذا، فإن الرسم هو الإملاء والكتابة قبل نزول الوحي وأثناءه وبعده، وليس معناه ضرورة عدم المساس بالرسم العثماني كما روج لذلك الأستاذ الناجي.
المثال الثالث: قال الله تعالى: “ما ننسخ من آية أو ننسها”، هنا تحدث الأستاذ في قضية [النسخ] عن [النسيان]، وذكر أن ابن مسعود استعمل في كلمة فيها احترام للقداسة الإلهية، وهي كلمة [ننسئها].
وهذا الكلام فيه خبط وخلط، وأول ما يلاحَظ عليه أن قراءة عبد الله بن مسعود ليست [ننسئها]، إنما قراءته المروية عنه [ننسِكَ]. وثاني ما يلاحَظ أن الأستاذ الناجي فهم من كلمة [النسيان] معنى [ضد الحفظ]، وهذا غير صويب، ومعنى النسيان في [ننسها] هو [الترك]، وهو الوارد عند أكثر أهل اللغة، ومنه قوله تعالى: “فنسيتها وكذلك اليوم تنسى”، أي: تركتها فكذلك تُترك في النار، ومعنى قوله تعالى: “ما ننسخ من آية أو ننسها” بمعنى: “نأمركم بتركها، أي ترك حكمها وعدم العمل به لتراخيه عن الحكم الأشد السابق أو لكثرة الفضل والأجر في الحكم اللاحق أو غير ذلك.
الملاحظة السادسة: أحضر الأستاذ الناجي أوراقا لقراءة بعض الأمثلة، خلافا لأعراف البودكاست التي تتميزبإجابات الضيف العفوية بناء على ما تختزنه الذاكرة (هذا ما يؤكد ما ذهبنا إليه كوننا أمام مونولوغ ولسنا أمام حوار)، ومن الأمثلة التي أوردها للدلالة على التطور القرآني:
المثال الأول: قوله تعالى: “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم” وفيه إدراج عبارة [وهو أب لهم]، وقد ادعى الأستاذ الناجي دعاوى متعددة حول هذه الآية:
الدعوى الأولى: أن الآية نزلت حين كان زيد متبنى من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، والآية لا علاقة لها بهذه النازلة.
الدعوى الثانية: القراء بقوا متمسكين بهذه العبارة لأنهم كانوا يعتبرون الرسول صلى الله عليه وسلم أبا، وإطلاق [القراء] يفيد أن أغلب القراء أو كلهم بقوا متمسكين بهذا اللفظ بعد مصحف عثمان، والصواب أن قراءة [وهو أب لهم] لم ترد إلا عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن عباس، وهذا الفهم المدرج في الآية لا يتجاوز هؤلاء الثلاثة.
الدعوى الثالثة: عبارة [وهو أب لهم] فهمٌ للقرآن وليس قرآنا، وأُدرجت كتابةً في المتن القرآني شرحا وبيانا فاختلطت بالمتن كما اختلطت به كثير من التفسيرات، لعدم التمايز في لون الكتابة بين المتن والشرح أولا، ولعدم إبداع تقنيات الكتابة آنئذ للتمييز بين المتن والحاشية.
وللدلالة على أنه من المستحيل أن تكون [وهو أب لهم] قرآنا منزلا أنها تتعارض مع [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم]، فكيف ينفي الله الأبوة هنا ويثبتها هناك؟
وللدلالة على أن [وهو أب لهم] شرح وبيان أن الصحابة اختلفوا في موضعها، فابن عباس قال: [النبي أولى بالمومنين من أنفسهم وهو أب لهم]، وأبي بن كعب قال: [النبي أولى بالمومنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم]، ودلالة هذا التقديم والتأخير أن كل واحد ذكر الشرح والبيان في الموضع الذي أراده، فأولهما ذكر الأبوة بعد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، والآخر أرجأها وكتبها بعد إتمام الآية.
والأبوة المذكورة في شرح هؤلاء الصحابة جاءت مشاكَلةً للأمومة الواردة في حق أمهات المومنين، وهي للدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم صاحب حرمة ومستحق للتعظيم، وهو من باب “ملة أبيكم إبراهيم”، ويمكن أن تكون أبوته من باب الولاية لأنه قال: [أولى بالمومنين من أنفسهم]، وهي بمعنى الآية الأخرى: “حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم”.
وكل هذه القرائن تؤيد أن عبارة [وهو أب لهم] ليست لفظا قرآنيا منزلا، وإنما شرح وبيان من بعض الصحابة رضي الله عنهم دون أن يمارسوا صراعا طبقيا مع أحد.
المثال الثاني: المثال الذي جعله الأستاذ الماركسي محمد الناجي دليلا على التطور القرآني بناء على الصراع الطبقي هو قوله تعالى: “إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما”، بدليل أن البعض طورها ليقرأ [فلا جناح عليه ألا يطوف بهما]، وهذه مسألة لا علاقة لها البتة بالصراع الطبقي، والأصل في المسألة أن الصفا والمروة كانا موقعيْ أصنام شهيرة في الجاهلية، فتحفظ الأنصار على الطواف بهما، بناء على “إن الصفا والمروة من شعائر الله”، لذا أنزل الله تعالى بعدها “فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما”، فأين الصراع الطبقي هنا؟
المثال الثالث: “يسألونك عن الأنفال”، قرأها سعد بن أبي وقاص وابن مسعود [يسألونك الأنفالَ]، فتوهم الأستاذ الناجي بفهمه الماركسي أن إسقاط [عن] تدل على تطور النص القرآني المبني على الصراع قبل ضبط طرق توزيع الأنفال.
والصواب أنه لا صراع في الأمر، لأن معنى الآية واحد سواء بإثبات [عن] أو بإسقاطها، لأنه من المباحث اللغوية التي لا يفقهها الباحث الناجي، لأن إسقاط الحرف لا يعني بالضرورة إلغاء معناه، وهذا ما عبر عنه اللغويون بحذف الحرف وهو مرادٌ معنىً، وقد صاغوا هذا في قاعدتهم: “حذف الحرف وهو مرادٌ معنىً أسهلُ من زيادته لغير معنىً غير التوكيد”، ولو كان الأستاذ الناجي يتحدث من غير زاد لغوي عن نص أدبي لهان الخطب، أما أن يقتحم عقبة التأليف في القرآن وحول القرآن بغير زاد لغوي فهذا إخلال بأول شروط التعامل مع النص القرآني، وهو خلل منهجي لا نجده إلا عند مجتهدي العصر كمحمد شحرور ونظرائه.
المثال الرابع: ذكر الأستاذ الناجي آية: “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على أهلها …”، وقال عقب ذكره للآية: [الصواب يجب أن يقال: حتى تستأذنوا]، هكذا صار الأستاذ الناجي يمارس نقده الماركسي على القرآن، ويقول: يجب أن يقال كذا بدلا عن كذا.
ثم قال عقب نقده للقرآن: [في مصحف أُبَي “حتى تستأذنوا لكم والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية”، وأن أغلب المفسرين يقولون بأن هذا غلط من الكاتب، وحين نذهب إلى المعجم نجد [تستأنسوا] هي [تستأذنوا]، بمعنى أنهم مارسوا ضغطا على اللغة ليعطوا ذلك المعنى، أما ابن العربي فقال بأنها ليست غلط الكاتب]، هذا كلام الأستاذ الناجي، ولنا عليه تعليقات هي تعقيبات:
أولها: ادعى الناجي أن أغلب المفسرين يقولون بأن [حتى تستأنسوا] غلط من الكاتب، وهذا غير صحيح، بل هذا القول منسوب إلى ابن عباس وليس إلى [أغلب المفسرين]، وهذا من الافتراء المراد منه التهويل لإسقاط القداسة عن القرآن، وجزء مهم من قدماء الماركسيين المغاربة كان لهم عداء للدين، ولما سأل الصحفي الأستاذَ الناجي عن هذا الماضي أنكره بالمرة، وهذا من إنكار المتواتر، ومن يفتري على التاريخ القريب يسهل عليه الافتراء على [أغلب المفسرين].
ومما يدل على أن [أغلب المفسرين] كانوا على عكس ما ادعاه الناجي، نورد نتفا من أقوالهم، قال الزمخشري: “لا يعول على هذه الرواية”، وقال الإمام الخازن في تفسيره: “وفي هذه الرواية نظر، لأن القرآن ثبت بالتواتر، والاستئناس في اللغة الاستئذان”، وقال الحكيم الترمذي: “هذا كلام جاهل أو ملحد يكيد الدين”، قال السمين الحلبي عن هذا القول: “منحول على ابن عباس”، ولن نذكر ما قاله ابن العربي المعافري لأن الناجي أشار إليه، والنصوص الرافضة لهذا القول متعددة، فلو عكس الناجي قوله وقال بأن أغلب المفسرين رفضوا هذا القول لكان محقا، ولكن رحم الله البحث العلمي، ورحم الله المنهج الماركسي.
ثانيها: ادعى الأستاذ الناجي أن المسلمين مارسوا ضغطا على اللغة ليطوعوها فتصير [تستأنسوا] بمعنى [تستأذنوا]، وهذا غريب، ولو كان الرجل يحترم نفسه لما اقتحم هذه العقبة خصوصا أنه قال وصرح بأنه ليس لغويا، ومن الشعر العربي قول النابغة:
[كأن رَحلي وقد زال النهارُ بنا//بذي الجليل على مستأنِسٍ وَحِدِ]
و[المستأنس] هنا يقصد به ثورا وحشيا أحس بما رابه فهو يستأنس، أي يبصر ويتلفت هل يرى أحدا، والنابغة صاحب هذا البيت كان قبل نزول القرآن، فلا يمكن أن نقول عنه بأنه يضغط على اللغة لتلائم النص القرآني كما ادعى الأستاذ الناجي.
وإذا كان [المستأنس] المبصر والمتلفت، فهو لا يتناقض مع [المستأذن]، لأن المستأذن يريد أن يعلم من في الدار، والمبصر يريد أن يعلم أيضا، فاجتمعا في طلب العلم.
ومما يؤيد ما ذكرنا أن الاستئناس ليس دائما بمعنى طلب الأنس، أي ضد الوحشة كما قال الأستاذ الناجي في الحوار المذكور، بدليل قوله تعالى: “آنست نارا”، بمعنى أبصرت نارا، وقوله تعالى: “فإن آنستم منهم رشدا” بمعنى علمتم.
يعضد ما ذهبنا إليه نظمُ الآية نفسها، فإنه سبحانه وتعالى قال: “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستاذنوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لعلكم تذّكرون، فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يوذن لكم”، وختْم الآية بـ[حتى يؤذن لكم] دليل قوي على أن الاستئناس المذكور هو الاستئذان، وهذا ما لم يتفطن له الأستاذ الناجي لتسرعه ولقلة زاده في اللغة ولخلفيته الإيديولوجية في التعامل مع النص القرآني الذي يجتهد في إسقاط قدسيته بدعوى خضوعه للتطوير.
هذه نتف من التعليقات وجمَل من الملاحظات على الحلقة التي استضافت الأستاذ الماركسي محمد الناجي، ولولا العياء لأضفت تعليقات أخرى لا تقل عما ذُكر، وللقارئ أن يقيس ما لم نذكره على ما ذكرناه، ليتبين لا علمية الرجل في مقاربته لموضوعة القرآن الكريم، وهنا نحيط القراء علما أن نقدنا للأستاذ الناجي ليس مبنيا على الصراع الطبقي، وليس مبنيا على الصراع السياسي، حتى لا يتسرع ماركسي بوصمنا بما وصم به الأستاذ الناجي جلةَ الصحابة رضي الله عنهم.
وعموما، فالقرآن الكريم وحي رباني، ونص إلهي، تولى الله حفظه، وهيأ لذلك سيدنا عثمان ومن معه، وقبله هيأ الله لذلك الحفظ سيدنا أبا بكر بإشارة من سيدنا عمر، وهذا ما لم يذكره ولم يعرج عليه الأستاذ الناجي طيلة الحلقة.
والقرآن كلام الله المعجز، لذا كانت له القابلية لتعدد القراءات خلافا لقول البشر، وقد تعددت القراءات المتواترة المعتمدة إلى العشر، وهذا ما لم يشر إليه الأستاذ الناجي طيلة الحلقة.
ويبقى السؤال هو الادعاء الطويل العريض أن الصراع حول المصحف كان صراعا دمويا، وأن الصراع الدموي بين السلطة والقراء الرافضين لمصحفها طال أمده قرونا، ومع هذه الدعوى لم يستطع الأستاذ الناجي أن يورد ولو مثالا واحدا حول هذا الصراع الدموي الطويل والممتد في الزمن، والمثال الوحيد الذي ذكره هو مقتل عثمان، وقد بينا أنه لا علاقة له بالموضوع البتة، ولو حظي الأستاذ الضيف بصحفي نبيه لأوقفه حول هذه النقطة بأسئلة متعددة حتى يستخرج منه الأمثلة أو يفرض عليه التراجع عن قوله، لكن، لا علم ولا صحافة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.