الرأي العام الإسلامي والولايات المتحدة

بقلم: أيوب نصر

في برنامج: “في رواية أخرى” والذي تنقله قناة: “العربي الجديد”، كانت هناك سلسلة حلقات مع أحد الضباط السابقين لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، اسمه “جون كيرياكو” وقد اشتغل كثيرا على ملف العراق، حتى أنه يعتبر كاتب سيرة صدام حسين في مجتمع الاستخبارات.

وفي إحدى حلقات تلك سلسلة، وهو يتكلم عن اندهاشه حين اتصل به خبر إتخاذ قرار غزو العراق سنة 2003، قال أن الغزو تم لأجل إقامة أكبر قاعدة جوية في العراق ونقل الجيش الأمريكي المتواجد بالسعودية إليها، وعلة ذلك حرمان أسامة بن لادن من أمر كان يفعله، وهو أن بن لادن كان يستغل وجود ذلك الجيش في أرض الحرمين لتقليب قلوب المسلمين وتهييج دفائن الإحن، وزيادة حقدهم وحنقهم على الولايات المتحدة لأنها تدنس بلاد الحرمين، فأرادوا حرمانه من هذا التفوق، وإغلاق الباب الذي كان يدخل عليهم منه.

إن صناع القرار في الولايات المتحدة، أدركوا مبكرا، دور الرأي العام، وأهمية التأثير فيه، وتوجيهه، في السياسة الدولية، ولهذا سعوا دائما، وسخروا كل ما يملكون لإحكام سيطرتهم على الصناعة الإعلامية وصناعة الرأي العام، فبه أسقطوا دولا وأقاموا أخرى، وبه ضغطوا على حكومات وحسموا صراعات.

ولم يكن الرأي العام الإسلامي بدعا ولا استثناء، بل حاولوا كسبه وتوجيهه بكل ما يعرفون ويملكون، لكن كل ذلك كان ينقلب عليهم ويكون موجها ضدهم، فقد حاولوا تجميل صورة إسرائيل عند المسلمين كثيرا، خاصة في مسلسل التطبيع، وسعوا جهدهم في إظهارها في أحسن صورة، وحركوا عملائهم داخل الدول العربية والإسلامية لذلك، ولكن مع أول فرصة أظهر المجتمع العربي والرأي العام الإسلامي رفضه لإسرائيل وعدم ميله إليها، فأسقط هذا الرأي العام الإسلامي وذلك المجتمع العربي، كل ما بنته الآلة الإعلامية الأمريكية لسنوات،  وما سعى إليه صناع القرار الأمريكي لعقود، في أيام معدودات.

ولعلك تقول لي أن الولايات المتحدة، والغرب عموما، لا بهمها رأي الشعوب الإسلامية وإنما الذي يهمها هو أن تكسب حكام هذه الشعوب إلى صفها، فأقول لك، أن الحكام مهما كان توجههم، ومهما شاغبوا شعوبهم، لا يملكون في النهاية إلا مسايرة المزاج الشعبي والخضوع له، أحبوا ذلك أم كرهوه، وهناك دول تحولت، أيام الحرب الباردة، من المعسكر الشرقي إلى الغربي، نتيجة لضغوط الرأي العام شعبي، والذي خضع لصناعة إعلامية غربية، وجهته نحو نمط العيش الغربي وأسلوب الحياة الأمريكية، وجعلته ينكر النمط الشرقي، فكان ذلك أكثر أسباب التي أدت في النهاية إلى سقوط الإتحاد السوفياتي وتفككه.

أظن أنه من الصعب الآن، وخاصة بعد عملية طوفان الأقصى، وتعاطف الولايات المتحدة مع إسرائيل ودعمها لجرائمها ضد المدنيين، يصعب على الولايات المتحدة أن تكسب الرأي العام الإسلامي والعربي، خاصة وأن هناك قوى أخرى بدأت تنافسها في المنطقة، خاصة روسيا، والتي تعاملت بعقلانية أكثر مع الوضع سواء من خلال تحريك طائراتها نحو حاملات الطائرات الغربية، أو من خلال تعاملها مع الفلسطينيين والمنظمات الممثلة لهم، وهذا تصرف يجعلها لاعبا في المنطقة، وهذه الخطوة هي بداية الطريق نحو ظهور قطب جديد

اترك رد