القناة الثانية 2M: ولاء للدراما التركية

بقلم: عبدالواحد زيات
على الرغم من تحول الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية إلى هولدينغ للإعلام العمومي، يبدو أن القناة الثانية تفلت من هذه السيطرة، لتتحول إلى ما يشبه ملحقا للإعلام التركي ونافذة حصرية على إنتاجاته الدرامية. فبدل أن تعكس القناة غنى المغرب بثقافته التاريخية والجغرافية والتراثية المتنوعة و الإبداعية ، تختار ملء فراغها الإعلامي بساعات طويلة ومتفرقة من الأفلام والمسلسلات التركية على مدار البرمجة اليومية و الأسبوعية و الشهرية و لعدة سنوات ، وكأن المغرب عاجز عن صناعة تلفزيونية وسينمائية تعبر عن هويته وقضاياه وقادرة على أخذ مكانتها أكثر في ساحة التنافس في الوطن العربي، لكن واقع الحال يظهر حجم الضعف الذي يعتري طموح هذه الصناعة التي تبور على مستوى الخطاب الرسمي للوزارة الوصية على الثقافة و الاتصال بالمغرب التي تكتفي بتنظيم اللقاءات الإستعراضية لهذه الصناعة من خلال المناظرات التي تموت توصياتها وتبقى بعيدة كل البعد عن إرساء قواعد هذه الصناعة الثقافية و السينمائية و التلفزية لأن منطق الاحتكار الذي ينخر هذا المجال لا يسمح بتحرير هذه الصناعة لتنمو و تزدهر .
الأمر الذي يجعل مسؤولية وزارة الثقافة والشباب والتواصل تابثة في هذا الضعف الذي ينخر الانتاج المغربي و الذي يفتح المجال لإستيراد دراما إنتاجات دول أخرى وفي مقدمتها منح سيطرة شبه كاملة للإنتاج التركي على شاشة قناة عمومية مجمل دعمها يتأتى من المال العام . بما يجعل ذلك الإعلام المغربي المتمثل في القناة الثانية تتحول إلى سوق مفتوح لـ “لشراء البضائع الفاسدة” على المستوى الأخلاقي للمجتمع التركي ، حيث يتم الترويج لقيم وسلوكيات لا تتناسب مع مجتمعنا، بالإضافة إلى الترويج التجاري للاقتصاد التركي ومنتجاته وأبطال أفلامه وحتى وجهاته السياحية.
في هذا السياق، لا يسعنا إلا أن نتخيل رسالة شكر واجبة قد يوجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القناة الثانية، وطبعا لوزير الثقافة و الشباب و التواصل تقديرا لـ “الواجب وزيادة” في الوفاء التام ولسنوات طويلة نظير الترويج المجاني للدراما التركية وطبعا تكلفة شراء الدراما التركية بعملية حسابية على مدار سنوات من المال العام للقناة الثانية تكلفتها أضحت باهضة . هذا الترويج الذي يصل إلى حد استنساخ مظاهر من الثقافة التركية على حساب الثقافة المغربية والتي أثرت بشكل كبير على سلوكات الشباب المغربي ، وكأن المجتمع المغربي مدين للدراما التركية .
إن هذا الاستسلام للدراما التركية التي أحكمت سيطرتها على القناة الثانية 2M يثير قلقا عميقا على عدة مستويات ، فبدل أن تكون القناة الثانية منصة للإبداع المغربي وتعزيز حضوره عربيا ، تتحول إلى وسيط لتسويق ثقافة أخرى، قد تحمل في طياتها تأثيرات سلبية على قيمنا وسلوكياتنا.
وهو ما يفرض ذلك طرح الكثير من التساؤلات حول الغايات المراد تحقيقها من هذه الأفلام المسترسلة على مدار الساعات هل هو مجرد بحث عن نسب مشاهدة بأي ثمن، أم أن هناك أجندة أعمق تسعى إلى إعادة تشكيل الثقافة التركية داخل المجتمع المغربي ؟ إن السماح لهذا الاكتساح الدرامي التركي بالاستمرار دون رقابة أو محاولة جادة لتقديم بدائل مغربية وعربية قوية، يمثل تقويضا لدور الإعلام الوطني وخذلانا للقدرات الإبداعية المغربية التي ينبغي البحث في غناها ليس بالمنطق الذي يتم من خلال مجموعات و كليكات متفاهمة مع بعضها البعض ، بل من خلال تحرير الإبداع التلفزي و السينمائي ليكون مشتلا لصناعة حقيقة تجمع تركيبة فن الصناعة التلفزيونية و السينمائية .
وما يتطلب ذلك من استيقاظ للمؤسسات المعنية، وعلى رأسها وزارة الثقافة والشباب والتواصل والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ودور نواب الأمة و الصحافة لإعادة تقييم السياسات البرمجية للقناة الثانية لتحريرها من السيطرة التركية التي تدخل بيوت المغاربة بشكل مسترسل وبلا توقف . إن حماية الهوية الثقافية المغربية وتعزيز الإنتاج الوطني ليس خيارا بل ضرورة، ولا يمكن تحقيقه في ظل هذا الولاء المطلق للدراما التركية الذي يطغى بشكل كبير في بث القناة الثانية ويقلل من فرص التعبير عن الذات المغربية.