محسن هشام: استقلال المحاماة ضمانة للمتقاضي.. والإصلاح الحقيقي لا يكتمل إلا بحماية الدفاع

في خضم الجدل الذي يرافق مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، يؤكد الأستاذ محسن هشام، المحامي بهيئة الدار البيضاء ورئيس منظمة “محامون بلا حدود” بالمغرب، أن الخلاف لا يتعلق برفض الإصلاح، بل بطبيعته ومدى احترامه لاستقلال المهنة باعتباره إحدى ركائز العدالة. وفي هذا الحوار، يتحدث عن الأسس الدستورية والدولية التي يستند إليها هذا الموقف، كما يقدم رؤيته لمخرج توافقي يحافظ على استقلال المحاماة ويواكب متطلبات تحديث المنظومة.

■ بداية، هل يعكس الجدل الدائر رفضًا لإصلاح مهنة المحاماة؟

لا أحد يرفض الإصلاح في حد ذاته، فالمهنة في حاجة دائمة إلى تحديث تشريعاتها بما يواكب تطور المجتمع ومنظومة العدالة. الإشكال الحقيقي يتعلق بمضمون المشروع ومنهجيته وبعض مقتضياته التي يرى عدد من المهنيين أنها قد تمس باستقلالية المهنة.

ومن هذا المنطلق، نؤكد داخل منظمة “محامون بلا حدود” أن أي إصلاح ينبغي أن ينبني على حوار مؤسساتي حقيقي مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، باعتبارها الممثل الشرعي للمهنة، حتى يكون الإصلاح نابعًا من تشخيص واقعي للإكراهات التي تعيشها المحاماة.

■ لماذا يحتل استقلال المحاماة صدارة هذا النقاش؟

لأن استقلال المحاماة ليس امتيازًا يمنح للمحامي، وإنما هو ضمانة أساسية للمتقاضي. فالمواطن يحتاج إلى محام يمارس مهامه بحرية كاملة، دون أي تأثير أو ضغط قد ينعكس على دفاعه عن حقوق موكله.

ولا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة أو عن قضاء مستقل إذا كان الدفاع نفسه يفتقد إلى الاستقلال. لذلك، يجب تقييم كل مقتضى تشريعي بمدى تأثيره على حرية المحامي واستقلال المؤسسات المهنية.

■ لكن الدستور المغربي لا ينص صراحة على استقلال المحاماة…

صحيح أن دستور 2011 لا يتضمن نصًا حرفيًا بهذا المعنى، غير أن القراءة الدستورية لا تكون مجزأة. فالدستور كرس استقلال السلطة القضائية، وضمانات المحاكمة العادلة، والحق في التقاضي، وحماية الحقوق والحريات.

ومن هذه المبادئ مجتمعة يستخلص الفقه الدستوري أن استقلال المحاماة يشكل ضمانة غير مباشرة للحق في الدفاع، وهو ما يمنح هذا المبدأ أساسًا دستوريًا معتبرًا.

■ وهل يجد هذا الطرح سندًا في المرجعيات الدولية؟

بالتأكيد. فالمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين تؤكد ضرورة تمكينهم من ممارسة مهنتهم باستقلال وحرية، كما تنص على حقهم في إنشاء هيئات مهنية مستقلة تدبر شؤون المهنة بعيدًا عن أي تدخل غير مبرر.

كما أن عددا من الهيئات المهنية الدولية، من بينها الاتحاد الدولي للمحامين ومجلس نقابات وجمعيات المحامين الأوروبية، تعتبر استقلال المحاماة شرطًا أساسيًا لحماية حقوق الإنسان وضمان المحاكمة العادلة.

■ هناك من يرى أن تعزيز الحكامة يقتضي توسيع صلاحيات الدولة في تنظيم المهنة…

لا تعارض بين الحكامة والاستقلال. المطلوب هو تحقيق التوازن بينهما.

يمكن تعزيز الرقابة المالية، وتحديث نظام التأديب، وتطوير التكوين، وتحسين تدبير أموال الودائع، دون المساس بمبدأ التدبير الذاتي للهيئات المهنية، الذي يشكل إحدى ركائز استقلال المحاماة.

■ هل يمكن أن يتحول النقاش إلى المحكمة الدستورية؟

المحكمة الدستورية ليست طرفًا في الخلاف، وليست امتدادًا للنقاش التشريعي، وإنما تضطلع بمهمة مراقبة مدى مطابقة القوانين للدستور.

وبعد انتهاء المسار التشريعي، يبقى من حق الفاعلين الدفاع عن قراءتهم الدستورية للنص، ودعم أي مبادرة قانونية تروم إخضاعه للرقابة الدستورية، في إطار ما يسمح به الدستور.

■ ما أبرز المرتكزات الدستورية التي يمكن الاستناد إليها؟

أرى أن النقاش يرتكز على أربع دعائم أساسية:

  • استقلال المحاماة باعتباره ضمانة غير مباشرة للحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.
  • مكانة الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب وما تتضمنه من ضمانات لاستقلال الدفاع.
  • مبدأ التناسب الذي يمنع المشرع من المساس بجوهر الحقوق الدستورية.
  • مبدأ الأمن القانوني واستقرار المراكز القانونية.

ولا يعني ذلك الحكم مسبقًا بعدم دستورية المشروع، بل يفتح المجال لنقاش قانوني رصين حول مدى مطابقته للدستور.

■ ما المخرج الذي تقترحونه لتجاوز الخلاف؟

الحل ليس في رفض الإصلاح ولا في الإبقاء على النص كما هو، وإنما في إدخال تعديلات تحقق التوازن بين التحديث والاستقلال.

ومن بين المقترحات التنصيص صراحة على استقلال المحاماة وهيئاتها، وتعزيز الحكامة دون وصاية إدارية، والإبقاء على استقلال النظام التأديبي مع تطوير ضماناته، واعتماد نموذج تشاركي في التكوين، إلى جانب إرساء حوار مؤسساتي دائم مع جمعية هيئات المحامين عند كل إصلاح جوهري.

■ هناك من يعتبر أن المحامين يدافعون عن امتيازاتهم فقط…

هذا اختزال غير منصف. فجمعية هيئات المحامين قدمت مذكراتها ومواقفها انطلاقًا من قناعة مفادها أن استقلال المحاماة هو حماية لحق المواطن في الدفاع، وليس دفاعًا عن امتيازات مهنية.

فأول المتضررين من أي إضعاف لاستقلال المحامي هو المتقاضي الذي يحتاج إلى دفاع حر ومستقل في مواجهة أي خصم.

■ كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقة بين الإصلاح واستقلال المحاماة؟

لا ينبغي وضع الإصلاح والاستقلال في موقع التعارض، فهما متكاملان.

الإصلاح ضرورة تفرضها التحولات المجتمعية، لكنه لا ينجح إلا إذا احترم الضمانات الدستورية والالتزامات الدولية للمملكة.

وفي النهاية، فإن أكبر مستفيد من استقلال المحاماة ليس المحامي، وإنما المواطن الذي يلجأ إلى القضاء وهو مطمئن إلى أن الدفاع عن حقوقه يمارس في إطار من الحرية والاستقلال، بما يعزز الثقة في العدالة ويكرس دولة الحق والقانون.

اترك رد