أصيلة ـ الطاهر الطويل
شكّل موضوع “الصحراء الكبرى: من الحاجز إلى المحور” مجال نقاش فكري في إطار ندوات “موسم أصيلة الثقافي” في دورته الـ 44، يومي الجمعة والسبت الأخيرين، حيث أكد المشاركون على أهمية ترابط الأمن والتنمية، داعين إلى التعاون من أجل الحفاظ على استقرار البلدان الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية.
الباحث المغربي محمد زكريا أبو الذهب الذي أدار الجلسة الأولى لمؤسسة “منتدى أصيلة”، أبرز أن محور الندوة يندرج ضمن حوار الحضارات وتلاقح الثقافات، مشيرا إلى أن الصحراء الكبرى مثّلت على الدوام منطقة تقاطع والتقاء. كما توقف عند الديناميات التي تثار في المنطقة ذاتها، لا سيما على مستوى الأمن والاختطافات والحركات الإرهابية وكل المحاولات الهادفة إلى زعزعة استقرار البلدان. وأوضح المتحدث أن الأمن ليس مرتبطا بالموقع الجغرافي فحسب، وإنما أيضا بمطلب رفاه الإنسانية وتحقيق التنمية، داعيا إلى ضرورة تعزيز مكونات منطقة الصحراء الكبرى مخافة التفكك وعدم الاستقرار.
ميغيل أنخيل موراتينوس، الممثل السامي لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة، أوضح أن مسؤولية الصحراء الكبرى تقع على أوربا والغرب عموما، باعتبار أن تقسيم القارة الأفريقية حدث في مؤتمر برلين 1884، إذ جرى وضع حدود فاصلة بين الدول، وتسطير برنامج يتماشى مع المطامع السياسية والاقتصادية للدول الاستعمارية.
وذكر المتحدث نفسه الذي سبق له أن كان وزيرا لخارجية إسبانيا، أنه رغم محاولات تجاوز التشرذم من خلال بعض التكتلات والمبادرات، فإن الصحراء الكبرى تعاني من تحديات تنموية وأمنية واقتصادية وثقافية. واستطرد قائلا إن الدول الاستعمارية السابقة، ومن بينها فرنسا، ينبغي أن تتوقف عن فرض إملاءاتها، وعليها أن تغير مواقفها وتقطع مع الممارسات التي أفرزت ذلك الوضع الشائك، داعيا إلى التركيز على مبادئ العدالة والمساواة والعيش المشترك.
وأضاف أن الأمم المتحدة، بوصفها رمزا للعائلة العالمية، لها مسؤولية لاسيما بخصوص التواجد في عين المكان والتدخل لصالح الدول الإفريقية وشعوبها واستقلالها، مشيرا إلى أن “القبعات الزرق” لم يعد مرحبا بها لعدم الوصول إلى حل بعض المشكلات المتعلقة باستتباب الأمن. كما شدد موراتينوس على ضرورة إحداث بدائل جديدة لتعزيز التعاون والتبادل الثقافي بين البلدان الأفريقية، من خلال إعادة إحياء قوافل الصحراء، ملاحظا أن الصينيين يحاولون الحفاظ على مصالحهم، من خلال إعادة إحياء طريق الحرير؛ مما يعزز المبادلات التجارية وتقوية البنى التحتية والاهتمام بالجانب الثقافي.
ليلى فاتحي، الأستاذة الجامعية المغربية، أشارت إلى أن الصحراء الكبرى فضاء غني بالموارد، وعاشت تحولات كبرى على مر التاريخ، وهي تشكل تحديا جيوستراتيجيا كبيرا نتيجة النزعات العرقية.
وتحدثت عن وجود تحديات أمنية حاولت الدول معالجتها من خلال مقاربات أمنية، لكنها ظلت محدودة، فانفتحت على مقاربات وبدائل أخرى، تقوم على الحَوْكَمة الجيدة.
وباعتقاد المتحدثة، فإن الاقتصاد العالمي القائم على الرأسمال لن يؤدي إلى حلول، إذ أدى إلى تآكل أنظمة وإشكالات في حقوق الإنسان؛ ومن ثم لا بد من منظومة مجمّعة، من خلال مقاربات تجمّع وتشرك كل الحكومات في مختلف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما شددت على ضرورة التعددية القطبية، أو مفهوم متعدد الأقطاب، من منطلق أن الأحادية القطبية غير مجدية، وتعاني من قصور، لأنها تعزل الفاعلين غير الحكوميين.
واستطردت قائلة إن التعددية القطبية تحيل على تشبيك العلاقات بين الدول والمنظمات والهيئات غير الحكومية، خاصة أن منطقة الصحراء الكبرى لديها خصوصيات تربط بين عدة دول.
وأوضحت أن الحلول ينبغي أن تكون من داخل هذه المنطقة، لأن التدخلات الأجنبية خلقت آثارا سلبية. كما اقترحت تعزيز ثقة المواطن تجاه الدولة، وتطوير قنوات النقاش، وإشراك المواطن في اتخاذ مختلف القرارات.
فاتي الأنصاري، مستشارة في السلم والأمن من مالي، تناولت في مداخلتها أزمة الدولة، مشيرة إلى وجود تحركات لشباب سئموا من الأوضاع السائدة خاصة في بلدها، ويبحث عن نموذج بديل. ثم انتقلت للحديث عن المجموعات الإرهابية في شمال مالي، ثم الانقلاب العسكري الذي حدث، بسبب عدم الاستقرار وتذمر الاقتصاد. وقالت إن الأنظمة العسكرية تقدم خطابات شعبوية، مكّنتها من احتلال موقع قدم، ودعت إلى ضرورة توحيد المواقف والرؤى والجهود لتحقيق الأمن والتنمية المستدامة.
زكريا عصمان، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في تشاد، تحدث في مداخلته عن الصحراء باعتبارها منطقة التقاء الثقافات والحضارات بين المشرق والمغرب وكذا التقاء بين الديانات الثلاث. واستدل على الرواج التجاري الذي كانت تشهده المنطقة بالملح الذي كان ينطلق من المغرب ويصل إلى تشاد، وأيضا بالحرير والثياب التي كانت ترد على المغرب من تشاد. وذكر أن الصحراء منطقة بشرية غنية بثقافاتها وأعرافها؛ كما أنها كانت فيها غابة غنّاء منذ أكثر من 5000 سنة، لكن تغيرات مناخية أدت إلى اختفائها.
بعد ذلك، انتقل للحديث عن الواقع الحالي لمنطقة الصحراء الكبرى والذي يتسم بتصاعد التيارات المتطرفة ووجود تشرذمات في المنطقة وهشاشة بعض الدول والأنظمة. ودعا إلى تضافر جهود الدول من أجل وقف العنف ومحاربة الفقر واستباب الأمن، ملحا على دور المجتمع المدني في هذا المجال.
أدامو بوبكر، أستاذ التكنولوجيا الحيوية من النيجر، أشار إلى أن فرنسا ما زالت تواصل فرض نموذجها الاستعماري من خلال التوغل في النخب الأفريقية، مجسدة مقولة “أفريقيا الفرنسية”. كما تطرق إلى وجود قواعد عسكرية فرنسية وأمريكية وإسبانية وألمانية في النيجر بمبرر محاربة التطرف والإرهاب، قائلا إن عدد العسكر الفرنسيين وحدهم يقدر ما بين 1500 و1700 شخص، لكن السلطات لا تكشف عن العدد الحقيقي… واعتبر أن هذه النماذج الاستعمارية تخنق بعض البلدان الأفريقية، التي فرضت عليها العملة الفرنسية السابقة (الفرنك) منذ سنوات طويلة. وأضاف أن مدخرات النيجر ـ مثلا ـ توضع في الخزينة الفرنسية، مما يعكس استمرار الاستعمار الاقتصادي.
ودعا المتحدث إلى القيام بقطيعة إبستيمولوجية، من خلال القطع مع النموذج الاستعماري والكف عن خدمة مصالحه، مشددا على أن بلدان شمال أفريقيا يجب أن تصوب اهتمامها نحو البلدان جنوب الصحراء الكبرى، لأن سقوطها ـ إذا حدث ـ سيكون له تداعيات على أفريقيا برمتها، لا سيما على مستوى الإرهاب والتطرف… كما دعا إلى مقاربات جنوب/ جنوب، وتوحيد الصف لضمان الاستقرار والأمن وتحقيق المبادلات التجارية والاقتصادية من أجل تحقيق تنمية شاملة.
ولد سيدي سيدي محمد، الخبير السياسي الموريتاني، ذكر في مداخلته أن الأزمة القائمة في دول “الساحل” تهم الجميع، مذكرا بمشكلة الحدود بين الدول الإفريقية التي جرى ترسيمها في مؤتمر برلين. وتساءل لماذا جرى التركيز خلال الآونة الأخيرة على ما يجري في النيجر؟ هل له علاقة بمناجم الذهب؟ ولماذا لم تول نفس الأهمية لما يقع في مالي أو بوركينا فاسو أو غينيا كوناكري أو الغابون؟ واعتبر أن المشاكل الحاصلة هي نتيجة استمرار تواصل النزعة الاستعمارية الجديدة، ومن ثم لا بد ـ في اعتقاد المتحدث نفسه ـ “من التركيز على ما يوحدنا كإفريقيا، والتعاون عوض الخلاف، وإحياء الأسواق الصحراوية وطريق القوافل التجارية، كما ينبغي جعل الصحراء الكبرى حاجزا ضد المجموعات الإرهابية.”
حمدي عبد الرحمن، الأستاذ الجامعي المصري في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بدبي الذي أدار الجلسة الثانية، أثار إشكالية كيفية التخلص من المنظور الاستعماري على مستوى الفكر والمعرفة، من أجل ردم الهوة بين شمال الصحراء وجنوبها. كما تحدث عن ضرورة التعاون بين الدول لمواجهة التهديدات الأمنية المتواصلة من لدن الجماعات المتطرفة. وقال إن أفريقيا ستشكل عنصرا مهما في إعادة تشكيل النظام الدولي مستقبلاً إذا فهمنا دورها التاريخي بشكل صحيح.
بثينة بنسالم، الباحثة المغربية في التاريخ الحديث، أوضحت في مداخلتها أن للمسألة الأمنية تداعيات على المناخ والأمن الغذائي والخدمات التي ينبغي على الدولة أن تكفلها لمواطنيها.
وأسهبت في الحديث عن المشكلات التي تعاني منها القارة الإفريقية ـ. رغم ما تتوفر عليه من موارد طبيعية ـ على مستويات: الفقر والهشاشة وعدم الاستقرار والعواصف والفيضانات وتهريب الأسلحة والمخدرات وتغير المناخ. وختمت المتحدثة مداخلتها بدعوة الدول الأفريقية إلى التعاون فيما بينها لتجاوز تلك المشكلات.
رحال بوبريك، الأستاذ الجامعي المغربي، أثار قضية الحدود الأفريقية باعتبارها حواجز خلقها الاستعمار الفرنسي والإسباني، مستدلا على ذلك بالصحراء المغربية، حيث لم يكن هناك شيء اسمه “الصحراء الغربية”. وقال إن مشكلة رسم الحدود واقع جيوسياسي فرض على المغرب، مذكّرا بأنه قبل الاستعمار الإسباني كانت القبائل الصحراوية تتنقل في الصحراء بكامل الحرية وبلا حدود.
فرج نجم، المحلل السياسي الليبي، اختار الحديث عن مشكلة الهجرة السرية من بلدان أفريقية نحو أوربا، وقال إن إيطاليا تنتظر من ليبيا وقف زحف المهاجرين والحيلولة دون وصول قوارب الموت إلى شواطئها. “لكننا ـ يستدرك المتحدث ـ لسنا مستعدين للعب هذا “الدور القذر” بأن نكون حراس الحدود الأفريقية ونعمل على إيقاف المظلومين الذين يريدون الهجرة.” وتطرق أيضا إلى علاقة ليبيا بالمجتمعات الأفريقية، مذكّرًا بأن عمر المختار كان يقاتل الفرنسيين في تشاد، كما قاتل الجنود الليبيون البريطانيين في مصر.
محمد عبدالله الطالب أعبيدي، المستشار في قضايا الأمن والدفاع بموريتانيا، تناول في مداخلته التحديات الجيوسياسية التي تواجهها منطقة الساحل الأفريقي، وتأثيرها على قضايا الأمن والتنمية، وتوقف عند خطر الجماعات الإرهابية، وكذا الخطاب الشعبوي الموجه في بعض البلدان الأفريقية تجاه الشباب، وأزمة الدولة في مالي وبوركينا فاسو مثلا، والصراع القبلي في موريتانيا بين العرب والطوارق، وتعقد الوضع الاقتصادي. وتوقع أن تحدث الانقلابات العسكرية في بعض بلدان القارة مشكلات معقدة.
عبد الله ولد اباه، المفكر والمحلل السياسي الموريتاني، أثار أهمية منطقة الصحراء الكبرى إزاء المعضلة الإرهابية، مشيرا إلى أن تلك الأهمية ينبغي ربطها بالتحولات الجيوستراتيجية الحالية. وأكد أن المنطقة كانت محورية في الاقتصاد العالمي، وشكلت صلة وصل بين بلدانها، من خلال تاريخ حافل بالأمجاد. وألح على ضرورة إعادة الصياغة الجيوسياسية لهذا الفضاء، عبر إنشاء منظمة متعددة الأطراف لتوحيد الرؤى والتصورات، مستحضرًا تجربتي “المغرب العربي” و”مجموعة دول الساحل الخمس”.
محمد الضريف، الباحث والأستاذ الجامعي المغربي، لاحظ في مداخلته أن غياب الدولة في بعض المجتمعات الأفريقية وتهاون المؤسسات الكلاسيكية التي كانت تعنى بالحَوْكمة والحفاظ على اللحمة الاجتماعية أدّيا إلى تقويض الوضع وعدم الاستقرار، فضلاً عن الإملاءات التقليدية والجديدة. كما لفت الانتباه إلى غياب مخططات محلية لمواجهة الأزمات، مؤكدا أن شبكات الاتجار في البشر والمخدرات والسلاح عززت مواقعها في ظل هشاشة المؤسسات الأمنية والحكومية.
محمد جويلي، أستاذ علم الاجتماع في تونس، اختار التطرق إلى البعد الوجداني في العلاقات الجيوسياسية وأهميته في المساعدة على حل بعض المشكلات والنزاعات. وقال إن ثقافة الغضب والإهانة والخوف مرتبطة بصعود النزعة الفردانية والتقوقع على الذات، مما يفرز ردود فعل عاطفية على المشكلات الاجتماعية؛ مضيفا أن تنامي الفردانية يفرز تمايزات اجتماعية نرجسية. وختم المتحدث مداخلته بالتأكيد على دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في تقوية الأواصر بين الجماعات البشرية.
وكان موسم أصيلة الثقافي قد انطلق مساء يوم الجمعة الماضي، بكلمة لـمحمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة “منتدى أصيلة”، أشار فيها إلى الاهتمام الخاص الذي توليه الجلسات الفكرية المنظمة في إطار “جامعة المعتمد بن عباد المفتوحة” إلى التطورات والتحديات التي تواجهها المجتمعات في أفريقيا وفي المشرق العربي، وانعكاساتها على التغيرات التي تشهدها الدول المصنعة، خاصة في أوربا، ومضاعفة هذه التغيرات على تطور الأوضاع في مجتمعات عالم الجنوب. كما أثنى على الرعاية التي يوليها جلالة الملك محمد السادس لهذه التظاهرة الثقافية الكبرى.
وباسم وزير الشباب والثقافة والتواصل، ألقت سميرة الماليزي، الكاتبة العامة لقطاع الثقافة، كلمة أشادت فيها بتميز ندوات “موسم أصيلة” التي قالت إنها تنصب ضمن جهود نهضة فكرية وتنمية، تجعل من أصيلة مركز إشعاع وتصدير للأفكار والتوصيات التي تلبي جانبا مهما من الحاجيات الثقافية للمواطنين والمواطنات.
وفي رسالة ألقاها نيابة عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قال ميغيل انخيل موراتينوس، الممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، إن هذا الاخير يدعم جهود منتدى أصيلة، واختيارها لمحور إفريقيا والصحراء، مضيفا أن “الأمين العام للأمم المتحدة يتقاسم الاهتمام بإفريقيا ويشجع على دراسة الوضع في الصحراء الكبرى، من مختلف الجوانب، سواء تعلق الأمر بالتهديدات وصعود التطرف أو قضايا الأمن والاقتصاد والمجتمع والقيم”.