بقلم: مصطفى المريني
يرتبط مفهوم الانتخابات في العرف الديمقراطي بشروط وآليات بديهية، أدناها تحقق عنصر المفاجأة في النتائج.. فالديمقراطية هي التي تضفي على العملية الانتخابية ذلك البعد الحر والمشوق الذي يجعل كل ناخب يحس بأهمية دوره في ترجيح كفة هذا الحزب أو ذاك، مما يجعله يندفع عن طواعية وحماسة للمشاركة في اختيار من يمثله. لكن ، ماذا يتبقى من سحر التشويق الديقراطي حين يُسلب الاستحقاق جوهره وتتحول “الانتخابات” إلى مجرد عملية مجازية ينزع منها “دسم” المفاجأة وتجهض إرادة الناخبين قبل أن تُفتح مكاتب التصويت؟ .
إن ما تشهده الساحة السياسية عشية الاستحقاقات التشريعية، وتتناقله وسائل التواصل الاجتماعي ، يكشف عن انتهاك صارخ لأهم “لغز” في اللعبة الانتخابية ،وهو عدم معرفة النتائج سلفا ،فالمفروض في أي استحقاق ديمقراطي أن تظل مخرجاته في طي الغيب إلى حين حين إغلاق الصناديق وفرز أصوات الناخبين .غير أن سلوكيات بعض الفاعلين السياسيين توحي بأننا أمام نتائج أُريد لها أن تكون محسومة قبل الأوان، لفرضها كأمر واقع مغلف بأداء شفاف إسمه ”
يتجلى هذا العبث بجلاء في التسريب الصوتي المنسوب لرئيس مجلس النواب، راشد الطالبي العلمي، وما تضمنه من اتهامات صريحة لحزب الأصالة والمعاصرة بـ” سرقة” المرشحين والإيهام المبكر بتصدر الانتخابات المقبلة بل ورئاسة الحكومة. وفي السياق نفسه، يأتي تسويق انخراط فوزي لقجع في الحزب ذاته، والترويج له كرئيس مفترض للحكومة القادمة، في خرق سافر للمنطق السليم ولأبسط قواعد الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
والحال أن هذه السلوكات لا تسيء فقط لأخلاقيات التنافس، بل تتصادم مع منطوق الفصل 47 من الدستور الذي ينص صراحة على أن “الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وبناء على نتائجها”. فكيف تجرؤ جهات حزبيّة على توزيع التعيينات ومناصب الوزراء والحديث بصيغة الحسم قبل أن تقول الصناديق كلمتها، وكأن العملية الانتخابية مجرد إجراء شكلي لشرعنة ترتيبات مسبقة والتطاول على اختصاص دستوري أصيل؟
وبعد هذه المشاهد التي تفرغ العملية الانتخابية من روحها وجوهرها، تنبري الطبقة السياسية للتباكي أمام عزوف الناخبين عن الذهاب إلى صناديق الانتخابات، وزهد المواطنين في العملية السياسية ، فالناخب حين يرى الأدوار قد وُزعت والحقائب قد قُسمت في الكواليس، يدرك يقينا أن صوته بلا قيمة ، فيستقيل من العملية برمتها. إن اعادة الثقة للعملية السياسية ومواجهة العزوف المتفاقم لا يتأتى بالشعارات الجوفاء، بل بإعادة الاعتبار إلى الديمقراطية في جوهرها، والكف عن مصادرة إرادة المواطنين..