بقلم: مصطفى شكري
استمرارا لمقالنا السابق المعنون ب”موجة غلاء جنونية تجتاح الأسواق المغربية وتوقعات متشائمة لمستقبل الاقتصاد الوطني” الصادر يوم أمس الاربعاء، والذي أثار عاصفة من ردود الفعل المتضاربة في الأوساط المالية والاقتصادية بالمغرب، جاء الخروج الأخير لوالي بنك المغرب ليؤكد وجاهة ما ورد في مقالنا من خلال لهجة غير مسبوقة حيث قرر مجلس بنك المغرب، خلال اجتماعه الفصلي الرابع والأخير برسم السنة الجارية، تشديد سياسته النقدية من خلال رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.50 في المئة، وهو قرار يتوخى كبح التضخم الذي من المرتقب أن يتواصل لفترة تتجاوز تلك المتوقعة في شتنبر الماضي. ويهدف بنك المغرب، من خلال هذا القرار، إلى تسهيل عودة التضخم إلى نسب تنسجم مع هدف استقرار الأسعار.
وخلافا لما اعتمدته الحكومة في مشروع قانون المالية بخصوص نسبة التضخم التي حددتها في 2 في المائة سنة 2023، توقع بنك المغرب أن تصل نسبة التضخم إلى 3.9 في المائة. واعتمدت الحكومة في إعداد مشروع قانون المالية 2023 ، الذي تمت المصادقة عليه، على فرضية نسبة تضخم بـ 2 في المائة ونسبة نمو بـ 4 في المائة و عجز للميزانية يقدر بـ 4.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام. فيما أكد بنك المغرب، أن الظرفية الاقتصادية العالمية التي لا زالت تخيم عليها تداعيات النزاع في أوكرانيا والانقسام الجيوسياسي والاقتصادي وتداعيات الجائحة، تلقي بظلالها على النشاط الاقتصادي الوطني وعلى تطور التضخم، حيث يرتقب أن يظل هذا الأخير في مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعا في شتنبر متأثرا بالأساس بالضغوط الخارجية التي تنتقل إلى السلع والخدمات غير المتبادلة وبتنفيذ إصلاح نظام المقاصة اعتبارا من سنة 2024.
ويعتبر مشروع القانون لسنة 2023 هو أول مشروع قانون مالي تنجزه حكومة عزيز أخنوش، على اعتبار أن قانون المالي السابق كان من إعداد حكومة سعد الدين العثماني،
وتحاول حكومة التحالف الثلاثي ( الأحرار/ الأصالة الاستقلال)، من خلال قانون مالية 2023، تحقيق نمو اقتصادي بمعدل 4 في المائة، و حصر عجز الميزانية في حدود 4.5 في المائة.
وفي هذا الصدد يرى الخبير الاقتصادي، عمر الكتاني، أن الاقتصاد المغربي يبقى رهينا بالتساقطات المطرية و أن قوانين المالية في المغرب يعتريها خطأ جوهري، حيث يجب أن يخرج قانون المالية في شهر مارس بدل أكتوبر أي حين يُعرف الإنتاج الفلاحي، لذلك النمو الاقتصادي في المغرب مبني على فرضيات وليس بناء على توقعات. كما اشار الخبير الاقتصادي، إلى عاملين يؤثران في أزمة التضخم ، أولهما الميزان التجاري في المغرب حيث تصل الواردات الى ضعفي الصادرات، اي اننا امام مجتمع يستهلك أكثر مما ينتج “ولما نستهلك الآن نستورد الفائض ونستورد معه التضخم بسبب القمح الذي سنضطر لشرائه وأيضا الطاقة والتجهيزات”. العامل الثاني، يتعلق بعجز ميزان المدفوعات، “أي أن النقود التي تخرج أكثر من التي تدخل، وذلك لأن المغرب تبنى سياسة الاستدانة بشكل تلقائي وغير منطقي، رغم أنه يقول إن الاستدانة للاستثمار، لكن يضيف الدكتور الكتاني” إذا كنا نستدين من أجل الاستثمار فلماذا نحتاج في كل مرة للاستدانة، وكيف لا يستطيع الاستثمار المتحدث عنه تغطية نفقات المديونية؟ هذا معناه أنه بسبب اللجوء إلى المديونية وبسبب اللجوء إلى استيراد الغذاء والمواد الأخرى نعاني من عجز داخلي ومن تضخم..”….
وتعتزم الحكومة اللجوء لاقتراضات داخلية بإجمالي 69 مليار درهم، بزيادة 5.6% عن هذا العام. في حين ستقفز الاقتراضات الخارجية في 2023 بأكثر من 50% إلى 60 مليار درهم (نحو 5.5 مليار دولار).
كما تترقب المملكة قروضاً بـ40 مليار درهم من البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية وصندوق “أوبيب” للتنمية الدولية، وحوالي 6.1 مليار درهم من صندوق النقد العربي وبرنامج تمويل التجار العربية، و2.6 مليار درهم من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، و1.5 مليار درهم من وكالة التعاون الألماني، و1 مليار درهم من الوكالة الفرنسية للتنمية. وضمن الأجندة الاقتراضية، يُتوقّع أن يستفيد المغرب من 2.4 مليار درهم من الاتحاد الأوروبي، و1.5 مليار درهم من بنك الاستثمار الأوروبي.
ويتمثَّل خطر تلك الديون على الدول بأنها مثل الثقب الأسود الذي لا يمكن الخروج منه، أو ما يعرفه الخبراء بـ”مصيدة الديون”، حيث تستدين الحكومات لسد عجز الميزانية، لكنها سرعان ما تجد أن تلك الديون وفوائدها تأكل إيرادات الدولة في الأعوام التالية، ما يُسبِّب عجزا، فتضطر الدول إلى الاستدانة مرة أخرى لسد العجز أو تسديد فوائد الديون المستحقة، وهكذا تستدين الدولة مرة ثالثة ورابعة وخامسة، دون أن تستطيع الخروج من تلك الحلقة المفرغة، ما يضطرها في النهاية إلى بيع أصولها لسداد الديون، أو ربما إعلان إفلاسها في الحالات الأكثر ضراوة.
وارتفعت ميزانية المغرب للعام المقبل ( 2023) بنحو 15.4% إلى 600 مليار درهم (54 مليار دولار)، مقابل 520 مليار درهم (47 مليار دولار) للعام الحالي. وتهدف الحكومة حسب قانون المالية الى خفض العجز المالي وتمويل برامج الحماية الاجتماعية، من خلال زيادة الضرائب على البنوك والشركات الكبرى، بشكلٍ أساسي، على مدى السنوات الأربع المقبلة، إلى 20% للشركات التي تقل أرباحها السنوية عن 100 مليون درهم (الدولار يعادل حوالي 11 درهماً)، وإلى 35% للشركات التي تزيد أرباحها على 100 مليون درهم، مقابل 31% حالياً. بينما ستدفع البنوك وشركات التأمين ضريبة تبلغ 40% مقارنةً بـ37% حالياً.
كما يُتوقع تحقيق إيرادات بنحو 536 مليار درهم في 2023، مقابل 461 مليار درهم هذا العام، بنمو يناهز 16.3%. وتشمل الإيرادات الضريبية والجمركية وأرباح المؤسسات العمومية والخصخصة، إضافةً إلى الاقتراضات الداخلية والخارجية.
ويعزي الخبراء هذه التوقعات المتفائلة للحكومة إلى الوتيرة التي عرفها نمو الإيرادات الضريبية خلال 2022. ومن المنتظر أن تبلغ الإيرادات خارج الاقتراض الخارجي والداخلي حوالي 294 مليار درهم، ارتفاعاً من 255 مليار درهم للعام الحالي، أي بزيادة قدرها 15.5%.
كما سيخصص المغرب إنفاقاً استثمارياً غير مسبوق خلال العام 2023 بما يناهز 300 مليار درهم، وهو أعلى رقم على الإطلاق، حيث كان في حدود 195 مليار درهم عام 2019، وانخفض إلى 182 مليار درهم خلال جائحة كورونا في 2020. بينما أقرّت الحكومة ضخ استثمارات بـ230 مليار درهم في موازنة 2021، وبحوالي 245 مليار درهم في موازنة 2022. وتتوزع الاستثمارات المرتقبة العام المقبل على صندوق الاستثمار الاستراتيجي الجديد بواقع 45 مليار درهم، و95.5 مليار درهم من الميزانية العامة للدولة، و140.5 مليار درهم ستنجزها المؤسسات والشركات العمومية، والبلديات 19 مليار درهم. وبهدف الحفاظ على أسعار المواد المدعمة، سيصل إنفاق الحكومة على صندوق المقاصة، الذي يدعم أسعار السكر وغاز البوتان والدقيق، إلى 26 مليار درهم في 2023، بناءً على فرضية متوسط سعر غاز البوتان 800 دولار للطن في السوق الدولية. علماً أن دعم صندوق المقاصة تجاوز 33 مليار درهم هذا العام. وللحديث بقية.