معلم الكبار في عصر الذكاء الاصطناعي: من امتلاك الأدوات إلى امتلاك الكفاءة التربوية

بقلم: سعيد الياسمني (.)
لم يعد التحدي الذي يواجه معلم محو الأمية هو مجرد تعلم استعمال التكنولوجيا، بل أصبح يتمثل في قدرته على توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير التعلمات، ومراعاة الفروق الفردية، وإنتاج موارد تعليمية ملائمة، مع الحفاظ على مركزية الإنسان وأخلاقيات المهنة.
يشهد مجال تعليم الكبار ومحو الأمية تحولات عميقة بفعل التطور المتسارع لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي أتاح إمكانات جديدة لإنتاج المحتويات التعليمية، وإعداد التمارين، وتبسيط المعارف، وتكييف الأنشطة وفق مستويات المتعلمين وحاجاتهم.
وفي ظل هذه التحولات، لم يعد من الممكن النظر إلى معلم الكبار باعتباره مجرد ناقل للمعرفة أو منفذ لمقرر تعليمي محدد؛ بل أصبح مطالبا بتطوير كفاءات جديدة تمكنه من فهم هذه التقنيات واستثمارها تربويا، بما يخدم أهداف محو الأمية والإدماج الاجتماعي والتعلم مدى الحياة.
ويطرح هذا التحول سؤالا جوهريا: هل يكفي أن يتقن معلم محو الأمية استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي حتى نعتبره مؤهلا لممارسة التعليم في العصر الرقمي؟ أم أن الأمر يتطلب بناء منظومة متكاملة من الكفاءات المعرفية والتربوية والأخلاقية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الانتقال من مفهوم التمكن التقني إلى مفهوم الكفاءة المهنية في توظيف الذكاء الاصطناعي.
اليونسكو تضع إطارا جديدا لكفاءات المعلمين
في سياق مواكبة التحولات التكنولوجية، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، سنة 2024، وثيقة مرجعية بعنوان:
AI Competency Framework for Teachers
وهي وثيقة ترسم تصورا متكاملا للكفاءات التي ينبغي أن يمتلكها المعلم في عصر الذكاء الاصطناعي، ولا تقتصر على معرفة الأدوات والتطبيقات، بل تشمل الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والبيداغوجية والمهنية.
ويتضمن هذا الإطار خمسة أبعاد رئيسية، تتفرع عنها 15 كفاءة، موزعة على ثلاثة مستويات للتقدم: الاكتساب، والتعميق، والإبداع.
وتتمثل هذه الأبعاد في العقلية المتمحورة حول الإنسان، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأساسيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، والبيداغوجيا المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي من أجل التطوير المهني.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلا عن المعلم، بل باعتباره أداة يمكن أن تعزز قدراته وتطور ممارساته، شريطة أن يظل الإنسان في مركز العملية التعليمية.
معلم الكبار والذكاء الاصطناعي: خمس كفاءات لم تعد اختيارية
أولا: الكفاءة الإنسانية.. التكنولوجيا في خدمة الإنسان
تتمثل هذه الكفاءة في قدرة المعلم على المحافظة على البعد الإنساني للعملية التعليمية، وإدراك أن الذكاء الاصطناعي مهما بلغت قدراته لا يستطيع أن يعوض العلاقة التربوية التي تنشأ بين المعلم والمتعلم.
فالمتعلم الراشد لا يحتاج فقط إلى معلومات وتمارين، بل يحتاج أيضا إلى التشجيع والثقة والتقدير والشعور بالأمان داخل فضاء التعلم.
وهذا الأمر يكتسي أهمية خاصة في أقسام محو الأمية، حيث قد يواجه بعض المتعلمين صعوبات مرتبطة بالخجل أو ضعف الثقة بالنفس أو تجارب سابقة غير مشجعة مع التعلم.
لذلك، ينبغي أن يستخدم المعلم الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرته على المرافقة والتوجيه، لا لتقليص التفاعل الإنساني أو تحويل التعلم إلى عملية آلية.
ثانيا: الكفاءة الأخلاقية.. الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي
إن سهولة إنتاج النصوص والصور والمعلومات بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي تفرض على المعلم مسؤولية التحقق من صحة المحتوى قبل تقديمه للمتعلمين.
فقد تنتج هذه الأدوات معلومات غير دقيقة، أو تتضمن أخطاء لغوية وثقافية، أو تقدم إجابات تبدو مقنعة رغم عدم صحتها.
وتتطلب الكفاءة الأخلاقية من المعلم احترام خصوصية المتعلمين، وحماية بياناتهم، والتحقق من مصادر المعلومات، والانتباه إلى التحيزات التي قد تتضمنها بعض التطبيقات.
كما تفرض عليه عدم استخدام الذكاء الاصطناعي في إصدار أحكام آلية على قدرات المتعلمين أو تصنيفهم، دون تدخل بشري يراعي ظروفهم وخصوصياتهم.
إن المعلم الكفء ليس هو الذي يحصل على أكبر عدد من الإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي، بل الذي يعرف متى يستخدمه، وكيف يتحقق من نتائجه، ومتى يرفض الاعتماد عليه.
ثالثا: الكفاءة التقنية.. فهم الذكاء الاصطناعي والقدرة على توظيفه
لا يطلب من معلم الكبار أن يصبح مبرمجا أو متخصصا في علوم الحاسوب، لكنه مطالب بامتلاك حد أدنى من الثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
ويشمل ذلك فهم المفاهيم الأساسية، والتعرف على طبيعة الأدوات التوليدية، وإدراك حدودها، والقدرة على التفاعل معها بصورة فعالة.
ومن المهارات التي تكتسي أهمية متزايدة في هذا السياق هندسة الأوامر (Prompt Engineering)، أي القدرة على صياغة تعليمات واضحة ومحددة للحصول على محتوى يتناسب مع الأهداف التعليمية.
فعلى سبيل المثال، يستطيع معلم محو الأمية أن يستعين بأداة ذكاء اصطناعي لإعداد نص قرائي حول موضوع التعاون، شريطة تحديد المستوى التعليمي، وطبيعة الفئة المستهدفة، ومستوى اللغة، وعدد الجمل، ونوعية التمارين المطلوبة.
وبهذه الطريقة، يمكن الانتقال من الاستعمال العشوائي للأدوات إلى الاستخدام الواعي والموجه تربويا.
رابعا: الكفاءة البيداغوجية.. تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة للتعلم
لعل هذا الجانب هو الأكثر ارتباطا بالممارسة اليومية لمعلم الكبار.
فالذكاء الاصطناعي لا يحقق قيمة تربوية لمجرد استعماله داخل الفصل، وإنما تتحقق هذه القيمة عندما يساهم في تحسين جودة التعلمات والاستجابة للحاجات الفعلية للمتعلمين.
ويمكن إبراز بعض التطبيقات العملية:
في تعلم القراءة: إعداد نصوص قصيرة ومتدرجة الصعوبة، تتناول موضوعات من الحياة اليومية.
في تعلم الكتابة: اقتراح تمارين لتكوين الجمل وتصحيح الأخطاء الشائعة.
في تعلم الحساب: إعداد وضعيات مرتبطة بالتسوق وتدبير المصروف وقراءة الفواتير.
في التعلم اللغوي: إنتاج حوارات صوتية تساعد على تنمية مهارات الاستماع والنطق.
في مراعاة الفروق الفردية: إعداد أنشطة مختلفة حول الهدف التعليمي نفسه، وفق مستويات المتعلمين.
في الدعم والمعالجة: اقتراح تمارين إضافية انطلاقا من الصعوبات التي يرصدها المعلم.
ولعل المثال التالي يوضح حجم الإمكانات المتاحة:
يمكن للمعلم أن يطلب من أداة ذكاء اصطناعي إعداد نشاط لتعليم القراءة حول موضوع الصحة، يتضمن نصا بسيطا، ومفردات أساسية، وأسئلة للفهم، وتمرينا كتابيا، مع مراعاة أن المستفيدين راشدون في المستوى الأول من محو الأمية.
إن هذا النوع من الاستخدام يسمح بإنتاج موارد تعليمية أكثر ارتباطا بواقع المتعلم، ويمنح المعلم فرصا لتجديد أنشطته وتطوير طرائق اشتغاله.
لكن ينبغي التأكيد أن المحتوى الذي تنتجه الأدوات الذكية يظل بحاجة إلى مراجعة المعلم والتحقق من ملاءمته قبل اعتماده.
نحو نموذج جديد لمعلم الكبار
إن التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي تستدعي إعادة تعريف الدور المهني لمعلم الكبار.
فالمعلم الذي نحتاج إليه اليوم هو الذي يجمع بين المعرفة التربوية والمهارات الرقمية والقدرة على التفكير النقدي، ويستطيع أن يوظف الأدوات الذكية دون أن يفقد استقلاليته المهنية أو مسؤوليته الإنسانية.
وهذا يفتح المجال أمام الانتقال من مفهوم معلم محو الأمية التقليدي إلى مفهوم ميسر التعلم مدى الحياة، الذي لا يكتفي بمساعدة المتعلم على فك رموز الحروف، بل يرافقه في اكتساب مهارات تمكنه من فهم محيطه والتفاعل مع التحولات الرقمية والاستفادة من فرص المجتمع.
خاتمة: الذكاء الاصطناعي لا يعوض المعلم.. لكنه يكشف الحاجة إلى معلم جديد
إن الرهان الحقيقي في إدماج الذكاء الاصطناعي في تعليم الكبار ليس اقتناء التطبيقات أو تنظيم دورات تعريفية بها، وإنما بناء كفاءات مهنية تجعل المعلم قادرا على توظيفها بوعي ومسؤولية وفعالية.
فالتكنولوجيا وحدها لا تضمن جودة التعلم، كما أن توفر الأدوات الذكية لا يعني بالضرورة تحقق الإدماج الرقمي.
إن الاستثمار في تكوين معلم الكبار هو في جوهره استثمار في الإنسان، وفي قدرته على التعلم والتكيف والمشاركة في بناء مجتمع المعرفة.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفاعلين في مجال محو الأمية اليوم ليس فقط: كم معلما تم تكوينه في استعمال الذكاء الاصطناعي؟ بل أيضا: ما الكفاءات التي اكتسبها هؤلاء المعلمون؟ وكيف انعكست على جودة التعلمات وعلى حياة المستفيدين؟
ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لن تكون قيمة معلم الكبار في قدرته على منافسة الآلة، بل في قدرته على توظيفها لتمكين الإنسان من التعلم والتفكير.

(.) لاتنس أن تذيل المقال باسمي: سعيد الياسمني
مهتم بقضايا تعليم الكبار والتعلم مدى الحياة

تعليقات (0)
اضافة تعليق