بقلم: لحسن الجيت
لطالما ترسخت في الأذهان أو على الأقل خنا هكذا نومن بأن السياسة الدولية تدار على أساس مزيج بين المكر والدهاء السياسي وبين قواعد ومبادئ تحددها مختلف القوانين الدولية- هذا التجاذب من جملة ما يرمي إليه في المحصلة النهائية هو وصول كل دولة إلى تحقيق مصلحتها الوطنية- ويخطئ من يعتقد أن القانون الدولي وجد لكي ينشر العدالة المطلقة-ولذلك فإن العلاقات بين الدول مبنية على ميزان القوة إما لفرض توافق من غير طواعية أو قد يتحول الأمر إلى صراع أو استنزاف- هذه اللعبة الدولية كانت تجري على أرضية ما يعرف بالشطرنج الدولي – هذا الشطرنج لا مكان فيه للمغفلين الذين لا يتقنون قواعد اللعبة-
ولعل المشهد الدبلوماسي والتحركات التي واكبته مؤخرا في أهم محفل دولي وهو الأمم المتحدة التي انكبت أجهزتها في الأيام العشر الأواخر من الشهر الذي ودعناه على قضيتنا الوطنية،كشفت لنا عن وجود أطراف لا تتقن قواعد الشطرنج الأممي ـدخلته وهي في غفلة من أمرها جاهلة لنفسها ولم تقرأ جيدا ما كان يدور على الطاولة- إنه الطرف الجزائري الذي عانى الأمرين أحلاهما علقم- ولم ير العالم وهو يتتبع أشغال مجلس الأمن الدولي مثل حالة الارتباك التي وجدت عليها الجزائر أمام صفعة أممية لا مثيل لها في تاريخ هذه المنظمة*- ولم يسبق للجزائر أن أهينت شر الإهانة كتلك التي قضت مضاجعها وأوجاعها-
حالة الارتباك هذه جعلت الجزائر تفقد البوصلة أكثر ما هي فاقدة لها في الأصل- وما ظهر من اختناق وانسداد الأفق أمامها في جلسة مجلس الأمن الدولي ما هو سوى نتاج لتراكمات سلبية مالت بكلكلها وأثقلت كاهل الدبلوماسية الجزائرية في حظيرة الأمم المتحدة منها على التوالي:
ـ الاجتماع الأخير للجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة كان بمثابة الشرارة الأولى التي كانت محبطة لها – وعلى عكس ما كانت تراهن عليه الجزائر في هذا الاجتماع على اعتبار ان تولي تلك اللجنة دراسة ملف الصحراء سيتم من منظور تصفية الاستعمار، خاب ظنها لأن المهمة الموكولة إلى اللجنة الرابعة في هذا الملف هومعالجته في سياق مقتضيات قرار مجلس الأمن 2797 الصادر في شهر أكتوبر 2025- وبالفعل صدر عن تلك اللجنة قرار يزكي ما تضمنه القرار الأممي من قبيل اعتماد الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية- وما جعل الجزائر تفقد ما تبقى لها من صواب وهو أن اللجنة الرابعة صادقت على مشروع قرارها ليس بالتوافق وإنما بالتصويت العلني وبأغلبية 152 دولة عضو أي ما يزيد عن ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، وهي ذات الدول التي ستكون متواجدة في اجتماع الجمعية العامة المرتقب يوم 10 نوتبرالجاري- في هذه اللحظة استشعرت الجزائر أنها قد وضعت قدمها الأولى نحو الانزلاق إلى نقطة اللاعودة–
ـ الصفعة الثانية تكبدتها الجزائر من خلال الإحاطة التي تقدم بها المبعوث الشخصي للأمين العام السيد ستيفان ديبميستوراأمام مجلس الأمن الدولي والتي دعا فيها إلى إزالة بعض اللبس عن جوانب من القرار رقم 2797 لتسهيل –ماموريته ولجسر المواقف بين الأطراف الأربعة التي حددها القرار المذكور- وقد التقطت واشنطن دعوة ديميستورا وشرعت باعتبارها حاملة القلم في إعداد مسودة أكثر توضيحا في اتجاه إعادة التأكيد على الحكم الذاتي كحل وحيد تحت السيادة المغربية من جهة، ومن جهة أخرى الدعوة إلى تقليص عديد البعثة الأممية وخاصة طاقمها العسكري مما قد يفضي إلى إعادة النظر في طبيعة مهمتها- ومن المؤكد أن ذلك قد زاد الطينة بلة بالنسبة للجزائر- وضاق الخناق على عنقها وازدادت خشيتها من تبني تلك المسودة الأمريكية-
ـ وفي الأمتار الأخيرة من انعقاد مجلس الأمن الدولي، أقامت الجزائر الدنيا ولم تقعدها – تحركت في كل الاتجاهات بالترغيب وبالإغراء وبوضع خيرات الشعب الجزائري في المزاد العلني لكي لا يتم اعتماد المسودة الأمريكية كقرار بشكل رسمي- واستنجدت الجزائر بروسيا باستخدام حقها في النقض لإسقاط ذلك القرار- وتبين أن الجزائر لشدة ما تعرضت إليه من ضغوطات لم تعد ترى سوى إسقاط ذلك القرار الذي ينص على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية- فغباؤها وقصر نظرها وحالة الاحتقان الذي كانت عليه لم ننتبه الجزائر في حينه أن عدم تمرير القرار سيؤدي إلى ما هو غير مرغوب فيه بالنسبة لها وهو إنهاء مهمة “المينورسو“- وبعد حين استفاقت الجزائر من غفلتها فوجدت نفسها قد وقعت في ما هو أخطر بدلا من إسقاط حرف “‘ر” عن تسمية المينورسو وجدت نفسها أنها ساهمت في إسقاط كل المينورسو–
ـ الإشكال المضاعف بالنسبة للجزائر وهي أن تلك الإنتكاساتكأنها ضربت موعدا مع الجزائر لتنهال عليها دفعة واحدة في ظرف وجيز على مدى أسبوعين وفي مكان واحد وهو مقر الأمم المتحدة- فبعد إسقاط المشروع الأمريكي وما ترتب عنه من تداعيات، سارعت الجزائر إلى استجداء روسيا بأساليبها المعهودة لتقديم مشروع قرار أمام مجلس الأمن الدولي يراد به تجديد ولاية “المينورسو“- وبالفعل حصل ذلك لكن المشروع الروسي تلقى ضربة بإسقاطه إسقاطا مذلا-
ومن خلال مقاربة قانونية وسياسية في آن واحد حول الكيفية التي تمت بها عملية إسقاط المشروعين الأمريكي والروسي نستنتج أن المسودة الأمريكية حصدت إحدى عشر صوتا مؤيدا من أصل خمسة عشر أي أنه نال أغلبية ساحقة من الأصوات ، فيما عارض تلك المسودة ثلاثة أصوات فقط ، في حين استخدمت روسيا حقها في الفيتو- أما المشروع الروسي فقد سقط سقطة مدوية إذ لم ينل سوى ثلاثة أصوات مؤيدة بعيدا جدا عن الأغلبية المطلوبة وهي تسعة، فيما إحدى عشرة دولة امتنعت عن التصويت- والملاحظ هنا أن المشروع الأمريكي لعب فيه الفيتو الروسي دورا حاسما لإسقاطه، أما المشروع الروسي سقط بالأساس نتيجة عدم نيله غالبية الأصوات وليس نتيجة الفيتو الأمريكي- وهي حالة لا يعتد فيها الفيتو- إذن من حيث الشرعية يبدو أن المقترح الأمريكي نال ما ناله من تأييد عريض يتماثل في اتجاهه مع توجه المنتظم الدولي على خلاف المشروع الروسي الذي عاكس التيار محاباة للجزائر-
أول رد فعل من طرف الجزائر بخصوص المصيدة التي نصبتها لنفسها ، تمثل في الحالة المزرية التي بدت على محيى المندوب الدائم للجزائر في داخل قاعة مجلس الأمن الدولي- بعد التصويت على مشروع القرار بعدم تمريره طلبت رئيسة الجلسة الممثلة لدولة اليونان من المندوب الجزائري إن كان له تعقيب في الموضوع – وهو في حالة ارتباك رفض أن يتناول الكلمة مكتفيا بالقول “لدي الكثير ما أقوله، لكن احتراما لهذا المجلس امتنع عن الحديث” بمعنى أن الرجل أراد أن يقول بأنني أفضل السكوت- وما هي هذه الأشياء الكثيرة التي رفض التحدث عنها، أليس هو مندوب الجزائر حيث يفترض أن يدافع عن بلاده أم أن الحكاية لها ارتباط بالمقلب الذي وقعت فيه الجزائر، والبكاء عندئذ وراء الميت خسارة- وهل بقي له ما يقوله بعد البهدلة التي تعرض لها المندوب الجزائري من طرف المندوب الدائم للمملكة Game Over-السفير عمر هلال- اللعبة انتهت
ثاني رد فعل يؤكد ارتباك الجزائر هو ما جاء على لسان وزير خارجيتها السيد أحمد عطاف الذي أدلى بتصريح مثير للاستغراب ولا يستقيم على منطق – كيف يسمح وزير لنفسه أن يتملص من مسؤولية خطيئته وخطيئة بلاده ليلبسها إلى غيره –قال السيد أحمد عطاف أن المغرب كان هدفه الاستراتيجي هو إنهاء وجود المينورسو في المنطقة- والغريب أن السيد الوزير إذا كان عتى علم مسبق بذلك فمن الذي كتب اليوم شهادة وفاة هذه البعثة الأممية الجزائر أم المغرب؟ الجواب واضح ولا يقبل القسمة على اثنين – فالجزائر هي التي كانت من وراء ذلك من خلال تقديمها إغراءات وصفقات لروسيا كي تستخدم الفيتو ، واشترت ذمة الصومال لكي تصوت ضد المسودة الأمريكية وبالتالي وجدت نفسها هي الأخرى تصوت من أجل إنهاء مهمة المينورسو–
وفي الجهة المقابلة للغباوة الجزائرية كان هناك شيء اسمه العبقرية المغربية- المغرب كان ، على عكس الجزائر ، يعلم جيدا ما كان يدور على طاولة الشطرنج الأممي – رجاله كانوا على بينة مما يروج في الكواليس متابعين في صمت مسار التحركات إلى حين أن تنضج- الموقف الروسي لم يكن خافيا على الجانب المغربي وقد أبلغ به من طرف الوزير لافروف بأن روسيا ستستخدم الفيتو ضد المشروع الأمريكي- وكان ردنا هادئا ونأى الجانبالمغربي بنفسه أن يناقش هذا الموقف مع الجانب الروسي على اعتبار أنه موقف سيادي- والمغرب كعادته لا يغري ولا يشتري الذمم – فالدبلوماسية الحقة تلزمك متى ينبغي أن تتكلم ومتى تكون فقط مستمعا ومنصتا-ولعلها دبلوماسية بلد له عشرات القرون كدولة قائمة الذات وليس كما هو الحال بالنسبة لبلد أنجبه الاستعمار مع آخر قطرة للغيث-
وأخبرا جاء بلاغ الديوان الملكي في أعقاب هذه التطورات تتويجا لمسار حافل ليرسم خارطة طريق للمرحلة المقبلة- فالمغرب من عادته لا ينتشي بالانتصارات بل بطوي صفحات ما أنجز استعدادا لما هو قادم من التحديات – لذلك فالمرحلة المقبلة وإن بدا أنها أصبحت جزءا من المكتسبات والإنجازات لكن ينبغي التعامل معها بكل ما يلزم من الحيطة والحذر بدلا من الانتشاء بها-
من جملة تلك التحديات التي تفرضها هذه المرحلة تتعلق بكيفية التعامل مع المناطق التي ارتضى يوما ما أن يضعها المغرب في إطار ما يسمى بالمنطقة العازلة التي فرضتها ظروف أمنية معينة- فالمغرب عود العالم باحترام التزاماته كما الحال بالنسبة لاحترام وقف إطلاق النار لكن ذلك لا يلغي حقه في الدفاع عن نفسه واستعادة حقوقه- ولنا تجربة في هذا الصدد اقترنت بإعادة نشر المغرب لقواته في ما عرف بحادثة الكركرات– فالمغرب بحنكته لا ينزلق إلى الأفخاخ والمطبات وهو معروف عنه بضبط النفس وإن كان هناك تطور مستفز يجب البناء عليه وجعله حجة للمغربوليس عليه ممهلا كل الوقت لكسب ثقة العالم ضد خصوم وأعداء هذا الوطن- وكذلك بالنسبة لمقترح الحكم الذاتي الذي حظي بتزكية دولية والإشادة به كحل وحيد لإنهاء وضع لم يعد قابلا لتأجيل الحسم فيه–
وبخصوص مغادرة عناصر البعثة الأممية بعد عدم تجديد ولايتها، فقذ صدر بلاغ من الديوان الملكي يومه 4 نونبر الجاري حيث تم تكليف وزارة الداخلية بالتنسيق مع الجهات المعنية لمواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة بما يسهم في تيسير مختلف الإجراءات المرتبطة بهذه العملية وضمان سيرها في ظروف سلسة ومنظمة- وكل ذلك لكي تتم عملية المغادرة في أجواء تليق بمكانة عناصر البعثة وتمكينهم من التسهيلات اللوجيستيةمع كل الاحترام وما يليق بكرامتهم وسمعتهم احتراما لمهمتهم النبيلة كجنود للسلام– والمغرب حينما يسارع إلى أخذ هذه الترتيبات فهو لا يسارع إليها من باب الالتزام فقط، بل لأن المغرب له تاريخ من التعاون مع الأمم المتحدة في مجال إسهاماته ضمن البعثات الأممية في مختلف بقاع العالم- وهو يدرك تماما تلك المهام النبيلة والإنسانية التي أبانت فيها عناصر من القوات المسلحة الملكية تفانيا كبيرا في خدمة قضية السلام في مختلف ربوع العالم-
المغرب عمل كل ما في وسعه للخروج من هذا الصراع المفتعل وقدم كل التسهيلات المطلوبة بدءا من تجاوبه مع النداءات المتعددة للمنتظم الدولي مرورا بخلق مناطق عازلة على ترابه الوطني وصولا إلى تحيين مبادرة الحكم الذاتي تلبية لنداء مجلس الأمن الدولي – واليوم جاءت اللحظة المناسبة لتحديد مسؤوليات الأطراف المعنية في مدى تعاونها من عدمه مع أجهزة الأمم المتحدةلانهاء هذا الصراع ووضع حد لمعاناة أشقائنا في مخيمات تيندوف– وعسى أن يكره أشقاؤنا في الجزائر شيئا وهو خير لهم ولأبنائهم- والله يعلم وأنتم لا تعلمون-